كتبت النهارأن يدخل لبنان مرحلة شديدة الحساسية في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها الشرق الأوسط. فبدلاً من أن يبقى مجرد طرف في صراع إقليمي، يبرز احتمال أن يتحول إلى الساحة الرئيسية للاستنزاف في المواجهة الدائرة.
في هذا السياق، لم يكن إعلان إسرائيل أن لبنان يشكّل «جبهة مستقلة» مجرد توصيف عسكري عابر، بل بدا وكأنه مفتاح لفهم إعادة رسم خرائط الصراع في المنطقة. فبينما تتصاعد العمليات العسكرية على الجبهة اللبنانية، تجري في الكواليس تحركات واتصالات دولية مكثفة توحي بأن التعامل مع إيران قد يُدار في مسار مختلف تماماً.
تشير القراءة الاستراتيجية للمشهد إلى أن القوى الدولية تسعى إلى تجنّب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران، نظراً لمكانتها في معادلات الطاقة والأمن العالمي. فاندلاع حرب شاملة معها قد يفتح الباب أمام تداعيات واسعة، بدءاً من اضطراب أسواق الطاقة وصولاً إلى تهديد الممرات البحرية الحيوية. لذلك تكثف الدبلوماسية الدولية جهودها لاحتواء التصعيد وتحويله من ساحة المواجهة العسكرية إلى مسار تفاوضي.
وفي هذا الإطار، برزت الاتصالات التي أجراها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع عدد من قادة المنطقة، في محاولة واضحة لمنع اتساع رقعة المواجهة مع طهران. فموسكو تدرك أن أي حرب واسعة قد تقلب موازين القوى الدولية وتدفع المنطقة نحو فوضى استراتيجية يصعب احتواؤها، ما يدفعها إلى محاولة لعب دور الوسيط القادر على فتح قنوات تفاوض وإعادة توجيه الصراع نحو المسار السياسي.
في المقابل، تبدو الجبهة اللبنانية متجهة في مسار مختلف، مع استمرار التصعيد العسكري وتزايد حدة التهديدات. ويعزز ذلك الانطباع بأن هذه الساحة قد تتحول إلى الميدان الذي تستمر فيه المواجهة حتى لو نجحت الجهود الدولية في احتواء الصراع المباشر مع إيران. ومن هنا يكتسب وصف «الجبهة المستقلة» دلالة أوضح: لبنان قد يبقى ساحة القتال، فيما تتحول إيران إلى ملف تفاوض تديره العواصم الكبرى.
هذا الأسلوب في إدارة الأزمات ليس جديداً في السياسة الدولية، إذ غالباً ما يتم الفصل بين ساحات الصراع لتفادي الانفجار الشامل. ففي كثير من النزاعات الكبرى، تُحتوى الجبهات التي قد تقود إلى حرب إقليمية واسعة عبر الوساطات والضغوط الدبلوماسية، بينما تستمر المواجهات في ساحات أخرى أقل حساسية في ميزان القوى العالمي.
وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات مجتبى خامنئي أهمية خاصة في قراءة المشهد. فتركيزه على استمرار المواجهة عبر ما يُعرف بـ«محور المقاومة» يوحي بأن طهران تدرك طبيعة هذه المعادلة. فحتى لو تحولت المواجهة المباشرة مع إيران إلى مسار تفاوضي دولي، فإن الصراع قد يستمر عبر الساحات الإقليمية المرتبطة بها، ما يعني انتقال المعركة من مواجهة مباشرة إلى حرب نفوذ طويلة عبر الجبهات المحيطة.
هذا التلاقي بين الخطاب الإيراني والتصريحات الإسرائيلية يكشف صورة أكثر تعقيداً للصراع. فبينما تسعى إسرائيل إلى تصوير لبنان كجبهة منفصلة، ترى إيران وحلفاؤها أن مختلف الساحات مترابطة ضمن معركة أوسع. وبين هذين المنظورين تتشكل معادلة جديدة: الضغط العسكري قد يتواصل في لبنان، في حين تُدار المواجهة مع إيران عبر السياسة والوساطات الدولية.
وإذا كان هذا السيناريو يتبلور فعلاً، فإن لبنان يقف أمام مرحلة دقيقة للغاية. فبدلاً من أن يكون مجرد طرف في حرب إقليمية، قد يتحول إلى المسرح الرئيسي للاستنزاف في الصراع القائم، بحيث تُدار المواجهة التي يخشى العالم اندلاعها مباشرة مع إيران عملياً عبر الجبهة اللبنانية.
وهنا تبرز المفارقة القاسية في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط: ففي الوقت الذي تتحرك فيه العواصم الكبرى عبر قنوات الدبلوماسية وتُرسم التوازنات على طاولات التفاوض، تبقى بعض الأراضي ساحات مفتوحة للنار. وفي هذه اللحظة تحديداً قد تتشكل معادلة جديدة في المنطقة:
إيران تُناقش على طاولة المفاوضات… فيما قد يُترك لبنان ليتحمل عبء المواجهة.
وفي عالم السياسة الدولية، كثيراً ما تُحسم الحروب الكبرى في غرف التفاوض، لكن كلفتها تُدفع على الأرض.
–الآراء والتحليلات الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة موقف مجموعة هذه الجريدة الإعلامية.

من الخميني إلى خامنئي الأب فالابن










