خلال أقل من ثلاثة أسابيع، رسمت الحرب مشهداً رقمياً صادماً يعكس حجم التحوّل المتسارع. أكثر من 1300 قتيل في إيران، نحو 968 في لبنان مع ما يزيد على مليون نازح، فيما قفز سعر النفط فوق 108 دولارات للبرميل، وتبقى ما بين 17 و20 مليون برميل يومياً مهددة أثناء عبورها مضيق هرمز.
بهذه الوتيرة، تسجل الأزمة واحدة من أسرع موجات التصعيد في المنطقة خلال سنوات، حيث تتراكم الخسائر البشرية والاقتصادية بمعدلات نادراً ما شهدتها نزاعات مماثلة.
حتى الآن، بلغ عدد القتلى في إيران أكثر من 1300 شخص، أي بمعدل يومي يقارب 60 إلى 65 قتيلاً، مقابل نحو 968 قتيلاً في لبنان، و14 في إسرائيل، إضافة إلى 13 جندياً أميركياً، فضلاً عن مئات الجرحى.
في لبنان وحده، تخطى عدد النازحين عتبة المليون، بينهم نحو 350 ألف طفل. وخلال أسبوعين فقط، سقط 111 طفلاً وأصيب 334، في مؤشر قاسٍ على تسارع الكلفة الإنسانية.
لكن التأثير لم يقتصر على البشر. في أسواق الطاقة، تجاوز خام برنت 108 دولارات مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل الحرب، أي بزيادة تقارب 50%. كما تشير التقديرات إلى اضطراب محتمل في إمدادات تتراوح بين 7 و10 ملايين برميل يومياً من المنطقة.
ويُعد مضيق هرمز شرياناً حيوياً، إذ تمر عبره يومياً بين 17 و20 مليون برميل، أي نحو خُمس تجارة النفط والغاز المسال عالمياً. ورغم استمرار الملاحة، فإنها تجري تحت مخاطر متزايدة، ما انعكس ارتفاعاً ملحوظاً في كلفة الشحن والتأمين.
هذا الواقع يهدد سلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً أن النقل البحري يشكّل ما بين 80 و90% من التجارة الدولية، ما يعني أن أي اضطراب يطال قطاعات تمتد من الصناعة إلى السلع الاستهلاكية.
في الأسواق المالية، كان التفاعل سريعاً: ارتفع الدولار، بينما تراجعت الأسهم تحت ضغط ارتفاع أسعار الطاقة. وانخفض مؤشر “ستوكس 600” الأوروبي بنحو 0.70%، فيما تراجعت المؤشرات الأميركية بين 0.7% و1%، في حين خسر الذهب نحو 2.6%، في مفارقة تعكس قوة العملة الأميركية وتزايد المخاوف التضخمية.
بهذا، لم تعد الحرب تؤثر في قطاع واحد، بل تضرب أربعة أسواق رئيسية في آن: الطاقة، الأسهم، العملات، والمعادن.
وعلى المستوى الاقتصادي المباشر، بدأت الخسائر تتضح تدريجياً. في لبنان، أدى النزوح الواسع إلى شلل في قطاعات حيوية كالتجارة والخدمات. وفي إسرائيل، ارتفعت كلفة العمليات العسكرية مع تعطّل جزئي في بعض الأنشطة الإنتاجية. أما إيران، فتواجه ضغوطاً مركبة تشمل استهداف منشآت حيوية وتحديات في قطاع الطاقة وكلفة الانتشار العسكري.
ورغم غياب رقم إجمالي دقيق، تشير مؤشرات الطاقة والنقل والنزوح والإنفاق العسكري إلى كلفة اقتصادية تتسارع بشكل لافت، مرشحة لمزيد من الارتفاع في حال استمرار التصعيد.
في المحصلة، لا تقتصر الحرب على المواجهة العسكرية، بل تضرب في وقت واحد خمسة أنظمة أساسية: البشر، والطاقة، والملاحة، والأسواق، والعملات.
كما أن استمرار ارتفاع أسعار النفط يحمل تداعيات أوسع، إذ إن كل زيادة بنحو 10 دولارات قد ترفع التضخم العالمي بين 0.2 و0.3 نقطة مئوية، ما ينعكس سريعاً على أسعار النقل والغذاء والطاقة حول العالم.
وهكذا، تتجاوز كلفة الحرب حدودها الجغرافية لتطال حياة مليارات البشر، في وقت تبدو فيه الدبلوماسية عاجزة عن مواكبة التصعيد، وسط غياب تقدم ملموس في المبادرات المطروحة.
الأرقام حتى الآن لا توحي بالاستقرار، بل تشير إلى مسار تصاعدي مفتوح على سيناريوات أكثر كلفة. ومع ذلك، تبقى عاجزة عن الإجابة عن السؤال الأهم: هل يمكن احتواء هذه التداعيات، أم أنها بداية أزمة أوسع؟
بعد أقل من ثلاثة أسابيع، يمكن إحصاء القتلى والنازحين والأسعار، لكن ما لا يمكن قياسه بعد هو حجم التحول الاقتصادي الذي بدأ يتشكل. فالحرب التي بدأت كصدام عسكري، تتحول تدريجياً إلى اختبار لقدرة الاقتصادات على تحمّل صدمة متعددة الأبعاد—وقد تكون الأسابيع الأولى مجرد بداية لكلفة لم تُحتسب بالكامل بعد.
هذا ما جاء في “النهار”.










