كتبت صحيفة “النهار”: لم يعد مستغربًا أن يتراجع خبر التوغّل الإسرائيلي المتدرّج جنوب الليطاني وحملة تدمير الجسور إلى المرتبة الثانية، في ظل التداعيات السلبية الواسعة للتهويل الذي أطلقه وفيق صفا في أول إطلالة سياسية وإعلامية له بعد تعيينه عضوًا في المجلس السياسي لـ”حزب الله”. هذا الخطاب أعاد إلى الأذهان نهجًا يقوم على التنصّل من مسؤولية استدراج الحرب وما نتج عنها من احتلال ودمار ونزوح واسع، عبر إثارة مخاوف الفتنة على غرار أحداث 7 أيار 2008، ملوّحًا هذه المرة بتهديدات تطال الحكومة وقد تمتد حتى إلى الحلفاء.
غير أن صدى هذا التهويل لم ينبع فقط من الخشية من ترجمته ميدانيًا، بل من صدمة متزايدة حيال صمت الدولة بمؤسساتها، وعجزها عن الرد الحازم على خطاب يُنذر بزعزعة الاستقرار. وقد تعزز هذا القلق مع ما بدا أنه موقف منفرد لرئيس الحكومة نواف سلام، الذي عبّر بوضوح عن رفضه الاستفزاز، في وقت ينتظر اللبنانيون موقفًا موحّدًا من الدولة، وخصوصًا من رئاسة الجمهورية، يؤكد أن زمن الفوضى والانقلابات قد انتهى.
وفي هذا السياق، تزايدت المخاوف من المرحلة المقبلة، لا سيما إذا بقيت مواجهة هذا النوع من الخطاب محدودة التأثير، كما حصل في ملف حصر السلاح بيد الدولة، ما يترك اللبنانيين في حالة ترقب مشوبة بالإحباط.
على الصعيد الرسمي، تركزت التحركات على التطورات الميدانية في الجنوب، حيث شهد قصر بعبدا سلسلة لقاءات، أبرزها اجتماع رئيس الجمهورية جوزف عون مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، حيث جرى البحث في التصعيد الإسرائيلي واستهداف الجسور التي تربط الجنوب بباقي المناطق، إضافة إلى تداعيات ذلك. كما شدد الجانبان على أهمية الحفاظ على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي، وعدم الانجرار خلف الشائعات.
وأكد بري بعد اللقاء أنه مطمئن للوضع الداخلي في ظل وجود رئيس الجمهورية، مشيرًا إلى أن المطلوب اليوم هو حماية “الجسور الداخلية” بين اللبنانيين، في مقابل استهداف إسرائيل للجسور في الجنوب.
كما عقد الرئيس عون اجتماعًا مع رئيس الحكومة نواف سلام لتقييم الأوضاع، وتم الاتفاق على تعزيز الإجراءات الأمنية، خصوصًا في العاصمة. وأكد سلام استمرار الجهود المشتركة لوقف الحرب في أسرع وقت.
وفي السياق نفسه، طلب رئيس الجمهورية من قائد الجيش العماد رودولف هيكل تشديد التدابير الأمنية في مختلف المناطق، ولا سيما في بيروت، مع التركيز على حماية مراكز الإيواء.
سياسيًا، زار وليد جنبلاط قصر بعبدا، معتبرًا أن التفاوض يبقى خيارًا مشروعًا إذا استند إلى أسس واضحة، محذرًا من تحويل لبنان إلى ساحة صراع. كما اقترح اعتماد بيوت جاهزة بدل الخيم للنازحين، مؤكدًا أن العودة إلى القرى ممكنة فور توقف الحرب.
ميدانيًا، تصاعدت المواقف الإسرائيلية، حيث دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى فرض واقع ميداني مشابه لغزة في لبنان، معتبرًا أن نهر الليطاني يجب أن يشكّل حدًا فاصلًا. بالتوازي، واصل الجيش الإسرائيلي استهداف الجسور وعزل جنوب الليطاني، حيث دُمّر جسر الدلافة بعد إنذار مسبق، إلى جانب استهداف معابر أخرى في القاسمية والمطرية، وجسر القعقعية.
كما أعلن الجيش الإسرائيلي العثور على مواقع عسكرية ومخازن أسلحة في الجنوب، فيما صعّد المتحدث باسمه أفيخاي أدرعي لهجته، متهمًا “حزب الله” بخدمة أجندات إيرانية.
وفي تطور لافت، استُهدفت شقة سكنية في الحازمية قرب كنيسة مار تقلا، ما أدى إلى دوي انفجار قوي، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف عنصرًا من “فيلق القدس” في بيروت، فيما تحدثت تقارير عن اغتيال شخصية مرتبطة بالبنية العسكرية لـ”حزب الله”.
وسط هذا المشهد، يتعمّق القلق من اتساع رقعة التصعيد، في ظل تداخل التهديدات السياسية مع التطورات الميدانية، وغياب رؤية واضحة لكيفية احتواء الانفجار المتسارع.










