لقد أثبت الوجود المسيحي في الجنوب اللبناني، وبالأخص في المناطق الحدودية، عبر العقود وتكرار التجارب، أنه العنصر الحاسم في الحفاظ على التنوع الجنوبي واستمرارية الهوية اللبنانية في تلك المناطق.
مع تصاعد التداعيات العسكرية والأمنية الناجمة عن الحرب الأخيرة بين إسرائيل و”حزب الله”، يكتسب صمود البلدات المسيحية في المنطقة الحدودية أهمية استراتيجية تتجاوز كل التقديرات السطحية أو النظريات التخوينية القديمة. هذه البلدات، التي لا يتجاوز عددها 12 أو 13 بلدة، باتت بعد أربعة أسابيع من الحرب التي أطلقت باسم “إسناد إيران”، كالصخرة الأخيرة العائمة في بحر من الصراعات، الممر الوحيد نحو النجاة والاستقرار.
لطالما أثبتت التجارب التاريخية، منذ تحولت المناطق الجنوبية إلى ساحات للصراعات الداخلية والخارجية، أن المكون المسيحي في الجنوب يمتلك رمزية استراتيجية تتفوق على رمزيته التأسيسية في الكيان اللبناني. فالتاريخ يوضح أن الجنوبيين بمختلف انتماءاتهم – مسيحيين، شيعة، سنّة، دروز – لم ينهاروا أمام موجات الحروب إلا عندما كان المكون المسيحي في خطر مباشر. هذه الحقيقة لا تقلل من معاناة الشركاء الآخرين، لكنها تؤكد أن صمود الجنوب مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالحفاظ على هذا المكوّن.
الوجود المسيحي في الجنوب الحدودية لم يكن مجرد عنصر ثقافي أو ديني، بل كان العمود الفقري للتنوع الجنوبي، وحاملاً لهوية لبنان في تلك المناطق، وضمانًا لصمود الدولة واستعادتها. وفي التجربة الحالية، يخشى المراقبون بدقة على استمرار تواصل الدولة مع هذه البلدات، خصوصًا في ظل الحصارات وتهديدات الاحتلال، إضافة إلى المخاطر الناتجة عن نزعات عنف محلية أو مؤامرات تهدف إلى تهجير السكان.
إن إعادة انتشار الجيش وإبقاء البلدات المسيحية صامدة يمثلان محورين متكاملين: بينما يعزز الجيش الأمن، فإن صمود هذه البلدة يشكل ضمانة للبنانية الحقيقية ووسيلة لاستعادة مئات آلاف المهجرين الجنوبيين مستقبلًا. الصمود المسيحي هنا ليس مجرد مقاومة، بل هو “حراسة للبنانية” في الجنوب، واستثمارٌ لماضي التجارب لتجنب تكرار الكوارث التاريخية.
المصدر”: النهار”










