١٨٠ كيلومتراً من الخطر.. كيف تريد تايوان تحويل مضيقها إلى «جحيم» للصين؟
مضيق تايوان قد يتحول إلى كابوس
إذا عبرت القوات الصينية مضيق تايوان يوماً ما، فقد لا تجد أمامها ساحة المعركة التقليدية التي أمضت بكين عقوداً في الاستعداد لها.
قد يكون المشهد مختلفاً تماماً.
السماء والبحر قد يمتلئان بآلاف الآلات الصغيرة، الرخيصة والقابلة للاستبدال.
مسيّرات تبحث وتراقب. أخرى تتولى التشويش والاستطلاع والتتبع والهجوم. زوارق سطحية من دون طواقم تندفع نحو السفن، ومسيّرات تحت الماء تترصد أسطول الغزو من الأعماق، فيما تصل أسراب من الطائرات الصغيرة من اتجاهات متعددة، لتجبر القادة الصينيين على مواجهة تهديدات لا تتوقف.
لكن الهدف التايواني ليس بناء قوة عسكرية تستطيع منافسة الصين سفينة بسفينة أو طائرة بطائرة.
الهدف أكثر واقعية وأكثر خطورة:
تحويل الغزو إلى عملية فوضوية، بطيئة ومكلفة إلى درجة تجعل تحقيق بكين لهدفها أمراً بالغ الصعوبة.
هذه هي الفكرة التي تقف خلف استراتيجية “جحيم المسيّرات“ (Drone Hellscape) التي يناقشها خبراء الدفاع الأميركيون في إطار الدفاع غير المتكافئ عن تايوان. ومع وصول مناورات هان كوانغ ٢٠٢٦ إلى مراحلها الأخيرة في ١٤ أغسطس/آب، تنتقل الفكرة تدريجياً من طاولة التحليل العسكري إلى صميم التخطيط الدفاعي التايواني.
من أوكرانيا إلى مضيق تايوان
لم تظهر الفكرة من فراغ.
فالحرب في أوكرانيا أثبتت أن المسيّرات الرخيصة قادرة على تغيير قواعد الاشتباك: كشف الأهداف، ضرب معدات باهظة الثمن، وتعطيل خطوط الإمداد والعمليات اللوجستية.
وتراقب تايوان هذه التجربة عن كثب، بينما تحاول بناء منظومة محلية للمسيّرات قادرة على الاستمرار في حرب قد تتعرض خلالها الاتصالات ونظام تحديد المواقع والبنية العسكرية التقليدية لهجمات واسعة.
وفي تقرير صدر في فبراير/شباط ٢٠٢٦ بعنوان «Hellscape for Taiwan: Rethinking Asymmetric Defense»، دعا مركز الأمن الأميركي الجديد (CNAS) إلى تطوير استراتيجية تايوان التقليدية المعروفة باسم “الدفاع بالقنفذ“ نحو شبكة متعددة الطبقات من الأنظمة الجوية والسطحية وتحت المائية غير المأهولة.
المعادلة بسيطة:
الصين تملك سفناً وطائرات وصواريخ وقوة بشرية أكثر بكثير. وتايوان لا تحتاج إلى امتلاك المزيد من كل شيء؛ بل تحتاج إلى أسلحة أقل كلفة وبأعداد كافية لجعل أهم أصول الجيش الصيني عرضة للخطر.
وهنا تصبح الكمية شبه مهمة بقدر التكنولوجيا.
تايوان تبني ترسانة من المسيّرات
لم تعد الاستراتيجية مجرد نظرية.
تتضمن خطط الدفاع التايوانية توسعاً هائلاً في إنتاج الأنظمة غير المأهولة محلياً. ووفق برنامج شراء خاص مقترح، طلبت وزارة الدفاع تمويلاً للحصول على:
-
٢٠٨٫٢٠٠ مسيّرة هجومية ساحلية
-
١٤٤٦ مسيّرة للاستطلاع الساحلي
-
١٣٢٠ زورقاً سطحياً غير مأهول
وتبلغ القيمة القصوى المقترحة للبرنامج نحو ٢١٠ مليارات دولار تايواني، أي ما يقارب ٦٠٦ مليارات دولار أميركي، للفترة الممتدة من أغسطس ٢٠٢٦ حتى ٢٠٣١.
لكن الطموح لا يتوقف هنا.
تايوان تستهدف الوصول إلى إنتاج ١٠٠ ألف مسيّرة شهرياً بحلول عام ٢٠٣٠.
وهذا ليس مجرد برنامج تسليح.
إنه محاولة لبناء قاعدة صناعية قادرة على تعويض الخسائر بسرعة إذا اندلعت حرب طويلة.
لأن السؤال الحاسم في الحرب المقبلة قد لا يكون:
كم عدد المسيّرات التي تمتلكها تايوان في اليوم الأول؟
بل:
كم مسيّرة تستطيع إنتاجها وإصلاحها وتطويرها وإرسالها إلى المعركة في اليوم الثلاثين؟
وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى توسع سريع في صناعة المسيّرات التايوانية، مع وجود مركز حكومي للبحث والتطوير في تشيايي يضم أكثر من ٥٠ شركة ومؤسسة، إلى جانب شراكات مع الولايات المتحدة وفرنسا وبولندا والتشيك لبناء سلاسل إمداد موثوقة وغير مرتبطة بالصين. كما بلغ إنتاج صناعة المسيّرات التايوانية ١٢٫٩ مليار دولار تايواني خلال ٢٠٢٥.
“جحيم المسيّرات” ليس مجرد سرب ضخم
هنا تكمن إحدى أهم النقاط.
“جحيم المسيّرات” لا يعني ببساطة إطلاق آلاف الطائرات الانتحارية دفعة واحدة.
الفكرة أكبر بكثير.
إنها منظومة دفاعية متعددة الطبقات تجمع بين:
الطائرات غير المأهولة، والزوارق المسيّرة، والمركبات تحت الماء، والألغام، والصواريخ، والدفاعات الجوية المتحركة والأسلحة التقليدية.
بمعنى آخر، تريد تايوان تحويل الطريق إلى شواطئها إلى سلسلة من البوابات الخطرة.
الطبقة الأولى: اعثر على أسطول الغزو
في المسافات البعيدة عن الساحل التايواني، يمكن للأنظمة غير المأهولة طويلة المدى أن تساعد في اكتشاف القوات البحرية الصينية وتتبع تحركاتها.
الهدف هو كشف أسطول الغزو وإرباك حركته قبل أن يصل إلى الشاطئ.
فالعملية البرمائية الضخمة تحتاج إلى تنسيق بالغ التعقيد.
سفن نقل القوات، وسفن الإنزال، والمرافقة البحرية، والطائرات، وسفن الإمداد، ومراكز القيادة، كلها يجب أن تصل في تسلسل دقيق.
إذا انكسر هذا التسلسل، أصبحت عملية الغزو بأكملها أكثر صعوبة.
الطبقة الثانية: تحويل المضيق إلى فخ
كلما اقتربت القوات الصينية من تايوان، يمكن للزوارق غير المأهولة والمركبات تحت الماء أن تعمل إلى جانب الألغام والأسلحة الدفاعية الأخرى.
الهدف؟
إجبار السفن الصينية على المرور عبر مسارات يمكن التنبؤ بها.
وهنا تبدأ الحلقة الخطيرة:
كلما أصبح المسار أكثر قابلية للتنبؤ، أصبح استهدافه أسهل.
وتطرح استراتيجية CNAS استخدام الأنظمة غير المأهولة للمساعدة في زرع حقول الألغام أو إعادة نشرها، بالتوازي مع مهاجمة سفن الإنزال عندما تدخل الممرات المقيدة.
ولن تحتاج تايوان بالضرورة إلى إغراق الأسطول الصيني بأكمله.
قد يكون المطلوب فقط إلحاق قدر كافٍ من الخسائر والارتباك لإخراج الجدول الزمني للغزو عن السيطرة.
ثم يبدأ السرب
كلما اقتربت سفن الإنزال من الساحل، قد يتحول المشهد إلى كابوس حقيقي.
مسيّرات هجومية متوسطة المدى يمكنها استهداف السفن التي تحمل الجنود والأسلحة والإمدادات، بينما تعمل المسيّرات الصغيرة من طراز FPV بالقرب من الساحل.
وخلال مناورات هان كوانغ ٢٠٢٦، أظهرت البحرية التايوانية مسيّرات هجومية متوسطة جديدة ضمن سيناريو قتالي ساحلي، في خطوة تعكس انتقال هذه التكنولوجيا من الدراسات النظرية إلى التدريبات الميدانية.
لكن البيئة نفسها تمثل تحدياً هائلاً.
الرياح.
المياه المالحة.
المسافات الطويلة.
الحرب الإلكترونية.
التفوق الجوي الصيني.
وفوق كل ذلك، احتمال أن تضطر القوات التايوانية إلى القتال بينما تتعرض شبكات اتصالاتها لهجمات متواصلة.
ولهذا تسعى تايوان إلى تطوير أنظمة تستطيع مواصلة العمل حتى عندما تصبح الاتصالات التقليدية غير موثوقة.
الحرب على الاتصالات بدأت بالفعل
ربما كانت أكثر الإشارات وضوحاً إلى طبيعة الاستعدادات التايوانية الجديدة بعيدة عن الصواريخ والطائرات.
لقد كانت إبطاء الإنترنت.
خلال مناورات هان كوانغ ٢٠٢٦، تعمدت تايوان خفض سرعة خدمات الإنترنت عبر الهاتف المحمول لمحاكاة اضطرابات الاتصالات التي قد تحدث خلال حرب حقيقية.
وفي ١٣ أغسطس/آب، طال الاختبار مناطق في شمال الجزيرة، بينها تايبيه والمناطق المحيطة بها، مع خفض الاتصال المحمول بينما بقيت خدمات الخطوط الثابتة متاحة.
والرسالة واضحة:
قد تبدأ الحرب الحديثة بحرمان الناس من الأنظمة الرقمية التي يعتمدون عليها يومياً.
كما تستعد تايوان لاحتمال تعرض كابلات الاتصالات البحرية لأضرار، وتدرس وسائل اتصال بديلة واتصالات عبر الأقمار الصناعية.
وهذا الأمر بالغ الأهمية بالنسبة إلى المسيّرات.
فأكثر الطائرات غير المأهولة تطوراً قد تصبح عديمة الفائدة إذا كانت تعتمد على وصلة اتصال واحدة يمكن للعدو التشويش عليها أو تدميرها.
الحل؟
المزيد من الاستقلالية، واتصالات موزعة، وأنظمة قادرة على تنفيذ المهام مع اعتماد أقل على مركز قيادة واحد.
بكين تطور «جحيماً» خاصاً بها
لكن تايوان ليست وحدها في هذا السباق.
الصين لا تنتظر حتى تكتمل منظومة المسيّرات التايوانية.
فالجيش الصيني يوسع بدوره استخدام الأنظمة غير المأهولة.
وأفادت تقارير في ١٣ أغسطس/آب بأن القوات البرية الصينية أجرت تدريباً استخدمت فيه مسيّرات هجومية ضد أهداف بحرية غير مأهولة.
وهذا مؤشر على أن الحرب بالمسيّرات أصبحت جزءاً متزايد الأهمية من التفكير العسكري الصيني.
وهنا يبدأ سباق جديد.
تايوان تريد المسيّرات لتعقيد الغزو الصيني.
والصين تريد المسيّرات لاكتشاف الدفاعات التايوانية، وقمع منصات الإطلاق، ومطاردة المسيّرات المعادية، وفتح الطريق أمام قواتها.
قد تصبح المعركة في مضيق تايوان مواجهة بين الآلات الذاتية قبل أن تطأ أقدام أول جندي صيني الشاطئ.
أوكرانيا مهمة.. لكن لا يمكن نسخ تجربتها
الحرب في أوكرانيا قدمت دروساً ثمينة لتايوان.
لكن هناك فارقاً جوهرياً.
أوكرانيا تمتلك عمقاً جغرافياً هائلاً.
تايوان لا تملك ذلك.
يمكن للقوات الأوكرانية الانسحاب وإعادة التجمع وإنشاء خطوط دفاع جديدة.
أما تايوان فلا يمكنها التراجع إلى ما وراء البحر.
والهجوم البرمائي الصيني سيكون من أعقد العمليات العسكرية التي يمكن تصورها.
على القوات المهاجمة عبور البحر، والحفاظ على حماية جوية وبحرية، وإنزال القوات والمعدات، وتأمين الشواطئ، ثم التقدم إلى الداخل، مع إبقاء خط إمداد ضخم يعمل باستمرار.
وهنا تظهر نقطة الضعف.
الغزو يكون في أكثر حالاته هشاشة قبل وصول القوات الصينية إلى الشاطئ.
وهذه بالضبط هي المساحة التي تستهدفها استراتيجية “جحيم المسيّرات”.
لكن للاستراتيجية نقطة ضعف قاتلة
المسيّرات ليست سلاحاً سحرياً.
وقد تفشل استراتيجية “الجحيم المسيّر“.
الصين تمتلك تفوقاً هائلاً في الصواريخ والطائرات والقوة البحرية والحرب الإلكترونية والقدرة الصناعية والقوة البشرية.
وقد تحاول بكين تدمير مصانع المسيّرات التايوانية قبل بدء الغزو.
وقد تستهدف مراكز القيادة وشبكات الاتصالات والرادارات والمطارات والموانئ ومخازن الذخيرة.
كما يمكنها استخدام الحرب الإلكترونية لتعطيل الملاحة والاتصالات.
وبمجرد ظهور أول موجة من المسيّرات، ستبدأ الصين بالتكيف معها.
وتزداد المشكلة تعقيداً لأن الصين نفسها من أكبر مصادر التكنولوجيا والمكونات التجارية للمسيّرات في العالم، ما يجعل بناء تايوان لسلسلة إمداد موثوقة وغير مرتبطة بالصين تحدياً استراتيجياً كبيراً.
الكثرة هي الهدف.. لكن الكثرة لها ثمن
إذا أنفقت تايوان مليارات الدولارات على المسيّرات من دون حماية المصانع التي تنتجها، فقد تختفي الترسانة بسرعة.
والأمر لا يتعلق بالطائرات وحدها.
البطاريات، والمحركات، وأجهزة الاتصال، والمستشعرات، وأشباه الموصلات، والذخائر وقطع الغيار كلها ضرورية.
حرب المسيّرات هي في النهاية حرب صناعية.
وقد أظهرت أوكرانيا مدى السرعة التي يمكن أن يتجاوز بها الاستهلاك قدرة الإنتاج.
لذلك تحاول تايوان بناء ما هو أكبر من مخزون من الأسلحة:
منظومة صناعية وطنية للمسيّرات.
المعادلة الجديدة هي:
خسارة ألف مسيّرة؟ اصنع ألفاً أخرى.
خسارة مصنع؟ انقل الإنتاج.
خسارة شبكة اتصالات؟ انتقل إلى شبكة بديلة.
خسارة مشغّل؟ اعتمد أكثر على الاستقلالية.
هذه هي فلسفة الحرب الموزعة.
هان كوانغ ٢٠٢٦: التجربة تتحول إلى واقع
مناورات هان كوانغ الحالية تقدم ربما أوضح صورة لهذا التحول.
المناورات، الممتدة عشرة أيام من ٥ إلى ١٤ أغسطس/آب، تركز على سيناريوهات أقل قابلية للتنبؤ وأكثر واقعية، مع مشاركة أكثر من ٢٠ ألف جندي احتياط، واختبار مرونة القيادة العسكرية، وقدرة المجتمع المدني، وتوزيع الإنتاج الصناعي، ومواجهة اضطرابات الاتصالات.
كما أشرف الرئيس التايواني لاي تشينغ-تي على تدريبات للدفاع الساحلي شاركت فيها مسيّرات هجومية وزوارق صاروخية وسفن لخفر السواحل.
وفي ١٣ أغسطس/آب ، أجرت البحرية التايوانية وخفر السواحل أول تدريب مشترك لمواجهة حصار، تضمن مرافقة السفن التجارية وعمليات إزالة الألغام.
الرسالة لا لبس فيها:
تايوان لم تعد تستعد للغزو وحده.
إنها تستعد لسلسلة كاملة من السيناريوهات التي قد تسبق الغزو:
حصار.
هجمات إلكترونية.
تضليل إعلامي.
قطع الاتصالات.
ضربات صاروخية.
غارات جوية.
ضغوط وعمليات بحرية.
ثم، في النهاية، هجوم برمائي محتمل.
السلاح الحقيقي قد يكون الخوف
هنا تصبح استراتيجية «جحيم المسيّرات» أكثر إثارة للاهتمام.
فهدفها النهائي قد لا يكون تدمير الجيش الصيني.
قد يكون الهدف هو إقناع بكين بأن شن الغزو سيكون مخاطرة لا تستحق العناء.
القائد الصيني الذي يفكر في الحرب لن يسأل فقط:
هل يستطيع الجيش الصيني الوصول إلى تايوان؟
بل سيسأل أيضاً:
هل ستبقى سفني وطائراتي وقواتي وإمداداتي على قيد الحياة بما يكفي لإنشاء رأس جسر قابل للاستمرار؟
إذا أصبحت الإجابة غير مؤكدة، فقد تكون استراتيجية الردع قد حققت هدفها بالفعل.
وهذه هي الفكرة الأساسية للدفاع غير المتكافئ:
تايوان لا تحتاج إلى هزيمة الجيش الصيني في كل مكان؛ بل تحتاج فقط إلى منعه من تحقيق هدفه السياسي.
هل تستطيع «سحابة المسيّرات» فعلاً إيقاف الصين؟
لا أحد يستطيع ضمان ذلك.
فأي غزو صيني محتمل سيتأثر بعوامل يصعب التنبؤ بها: الطقس، عنصر المفاجأة، الحرب السيبرانية، الضربات الصاروخية، التدخل الأميركي، الدور الياباني، القرارات السياسية في بكين، التعبئة التايوانية، والأداء الفعلي للأسلحة تحت ظروف الحرب.
كما أن استراتيجية «جحيم المسيّرات» تظل تصوراً عملياتياً لم يُختبر في حرب حقيقية، فيما يشكك بعض المحللين في قدرة الأنظمة غير المأهولة وحدها على تحقيق النتائج الحاسمة التي تُنسب إليها أحياناً.
لكن الاستراتيجية تغيّر السؤال نفسه.
بدلاً من أن تسأل تايوان:
كيف نهزم قوة عسكرية أكبر منا بكثير في مواجهة تقليدية؟
فإنها تسأل:
هل نستطيع خلق قدر كافٍ من عدم اليقين والاستنزاف والتأخير لجعل إنزال صيني ناجح أمراً مستحيلاً أو بالغ الكلفة؟
وهذا هدف أكثر واقعية بكثير.
المعركة المقبلة قد تُحسم قبل الشاطئ
يمتد مضيق تايوان لنحو ١٨٠ كيلومتراً عند أوسع نقاطه، ما يجعله حاجزاً طبيعياً يتعين على أي قوة غازية عبوره.
لكن الجغرافيا وحدها لا تستطيع حماية الجزيرة.
تحتاج تايوان إلى أسلحة تستطيع البقاء بعد القصف الأول، والعمل وسط الحرب الإلكترونية، ومواصلة الضرب حتى بعد تدمير شبكات القيادة والسيطرة التقليدية.
ولهذا أصبحت المسيّرات بهذه الأهمية.
رخيصة نسبياً.
قابلة للاستبدال.
قابلة للتوزيع.
وقادرة على العمل في الجو والبحر وتحت سطح الماء.
ويمكن لآلاف منها أن تخلق مشكلة لا يستطيع حتى جيش متفوق عسكرياً حلها بضربة صاروخية واحدة.
إن تحول تايوان لا يتعلق إذن ببرنامج لشراء المسيّرات فقط.
إنه محاولة لإعادة كتابة معادلة الغزو نفسها.
قد تمتلك الصين تفوقاً عسكرياً هائلاً.
لكن إذا كان كل كيلومتر باتجاه تايوان يعني موجة جديدة من المسيّرات، وحقل ألغام جديداً، وزورقاً غير مأهول، وهجوماً إلكترونياً جديداً، وقراراً جديداً بشأن المخاطرة بسفينة أخرى، فقد يبدأ الجدول الزمني للغزو بالانهيار.
“جحيم المسيّرات” لا يعد تايوان بانتصار سهل.
لكنه يعدها بشيء ربما يكون أكثر أهمية:
أن يجعل الانتصار الصيني غير مضمون.
وفي عالم الردع العسكري، قد يكون عدم اليقين أقوى سلاح على الإطلاق.
ماذا نراقب الآن؟
مع وصول مناورات هان كوانغ إلى نهايتها في ١٤ أغسطس/آب، ستكشف عدة ملفات ما إذا كان «جحيم المسيّرات» يتحول من شعار استراتيجي إلى عقيدة عسكرية فعلية:
- التمويل والتسليح: هل تحصل خطط شراء المسيّرات الضخمة على تمويل مستدام؟
- القدرة الإنتاجية: هل تستطيع تايوان الاقتراب من هدف إنتاج ١٠٠ ألف مسيّرة شهرياً؟
- الاستقلالية: ه ل تستطيع المسيّرات العمل بكفاءة عند تعطل GPS والأقمار الصناعية والاتصالات؟
- مواجهة المسيّرات: كيف ستحمي تايوان أسرابها من الحرب الإلكترونية وأنظمة الاعتراض الصينية؟
- الأنظمة البحرية غير المأهولة: هل تصبح الزوارق والمركبات تحت الماء جزءاً موثوقاً من الدفاع الساحلي؟
- الصمود المدني: هل تستطيع الجزيرة إبقاء الاتصالات والطاقة والنقل والحكومة تعمل تحت الهجوم؟
- الرد الصيني: هل ستعيد بكين صياغة عقيدتها الهجومية خصيصاً لتحييد «جحيم المسيّرات» التايواني؟
الحرب قد تبدأ قبل أن يصل أول جندي إلى الشاطئ
قد لا تبدأ المعركة الحاسمة عندما تهبط القوات الصينية.
قد تبدأ قبل ذلك بأشهر أو حتى سنوات، داخل المصانع والمختبرات وشبكات البرمجيات وغرف التخطيط العسكري.
وإذا نجحت تايوان في بناء منظومتها الدفاعية الجديدة، فقد لا يكون أخطر سلاح في مضيق تايوان هو الصاروخ الأكبر أو المقاتلة الأكثر تطوراً.









