ذخائر القديسة أغاثا تعود إلى كاتانيا بعد ٩٠٠ عام… احتفال تاريخي في صقلية ومدينة كاتانيا تمشي خلف قدّيستها من جديد
كاتانيا، صقلية – ٢١ آب/أغسطس ٢٠٢٦، قبل أن تشرق الشمس، بدأت أجراس كاتانيا تدق.
وفي شوارع المدينة الصقلية، تجمع آلاف المؤمنين بانتظار لحظة استثنائية : ذخائر القديسة أغاثا، شفيعة كاتانيا، تخرج مجددًا إلى الشوارع، بعد تسعة قرون على عودتها التاريخية إلى مدينتها.
لم يكن المشهد مجرد موكب ديني.
كان إعادة إحياء لرحلة بدأت قبل ٩٠٠ عام.
في ١٧ آب/أغسطس ١١٢٦، عادت ذخائر القديسة أغاثا إلى كاتانيا بعدما أمضت ٨٦ عامًا في القسطنطينية، إثر نقلها من صقلية خلال القرن الحادي عشر.
وفي الذكرى التاسعة المئوية، أعادت المدينة رسم مسار تلك العودة في احتفال يختصر تسعة قرون من الإيمان والذاكرة والهوية الصقلية.
وشارك في الاحتفالات، التي امتدت بين ١٦ و١٨ آب/أغسطس ٢٠٢٦، آلاف المؤمنين وأساقفة من صقلية ومناطق أخرى، إلى جانب مسؤولين مدنيين وشخصية بارزة من الفاتيكان: الكاردينال بيترو بارولين، أمين سر دولة الفاتيكان، الذي عيّنه البابا لاوُن الرابع عشر ممثلًا بابويًا خاصًا لهذه المناسبة.
لكن ما جرى في كاتانيا لم يكن مجرد استعادة لصفحة من الماضي.
لقد تحول إلى سؤال أكبر:
كيف يمكن لذكرى عمرها ٩٠٠ عام أن تبقى حيّة في مدينة القرن الحادي والعشرين؟
رحلة بدأت قبل تسعة قرون
بحسب التقليد التاريخي في كاتانيا، نُقلت ذخائر القديسة أغاثا إلى القسطنطينية عام ١٠٤٠ خلال الحقبة البيزنطية.
وبعد ٨٦ عامًا، ارتبطت عودتها إلى صقلية باسم جنديين من كاتانيا، هما جيسليبرتو وغوسيلمو، اللذين يُنسب إليهما استعادة الذخائر وإعادتها إلى موطنها.
ويُقال إن الذخائر وصلت أولًا إلى أشي كاستيلو (Aci Castello) قبل أن تتابع طريقها نحو كاتانيا.
وبعد تسعة قرون، قررت المدينة إعادة تمثيل تلك الرحلة بكل تفاصيلها الرمزية.
في مساء ١٦ آب، غادرت الذخائر كاتدرائية كاتانيا متجهة إلى أشي كاستيلو، حيث ترأس الكاردينال بارولين صلاة تذكارية لإحياء ذكرى الوصول التاريخي.
ثم، مع بزوغ الفجر، انعكس اتجاه الرحلة.
العودة بدأت من جديد.
قبل الفجر… كاتانيا تتحرك
عند نحو الخامسة صباحًا من ١٧ آب، أعلنت الأجراس انطلاق الموكب الاستثنائي.
وامتد المسار لنحو ٧٫٥ كيلومترات، من منطقة روتولو على الواجهة البحرية، مرورًا بشوارع كاتانيا الرئيسية، وصولًا إلى ساحة الدومو وكاتدرائية المدينة.
ارتدى المؤمنون ملابسهم البيضاء التقليدية، وساروا خلف الذخائر في مشهد اختلطت فيه الصلاة بالذاكرة الجماعية.
بالنسبة إلى أبناء كاتانيا، لم يكن الأمر مجرد الاحتفال بتاريخ قديم.
لقد كانت المدينة تعيد السير في الطريق نفسه الذي سلكته ذخائر شفيعتها قبل ٩٠٠ عام.
وعندما وصلت الذخائر إلى الكاتدرائية، أعاد رئيس أساقفة كاتانيا لويجي رينا الجمجمة المقدسة إلى التمثال النصفي الذخائري.
ثم أجرى الكاردينال بارولين مراسم التتويج المرتبطة باليوبيل.
وفي المساء، بلغ الاحتفال ذروته مع قداس بابوي في ساحة الدومو ترأسه بارولين، بمشاركة عدد من أساقفة صقلية وأبرشيات ترتبط تاريخيًا بتكريم القديسة أغاثا.
الجمجمة المقدسة في قلب الاحتفال
من أكثر اللحظات استثنائية في يوبيل ٢٠٢٦ كان العرض الاستثنائي لذخيرة جمجمة القديسة أغاثا.
فالجمجمة محفوظة عادة داخل التمثال النصفي الفضي الشهير الموجود في كاتدرائية كاتانيا، ولا تُعرض بصورة اعتيادية أمام الجمهور.
ويعود التمثال، وفق تقاليد الكاتدرائية، إلى القرن الرابع عشر، وينسب إلى الفنان السييني جيوفاني دي بارتولو.
ويغطيه الذهب والجواهر والنذور التي تراكمت عبر قرون من التقوى الشعبية.
ولا تقتصر ذخائر القديسة أغاثا على الجمجمة.
فهناك أيضًا عظام الفخذين واليدين والقدمين، وذخيرة مرتبطة بالصدر، إضافة إلى الحجاب المقدس، وهي محفوظة في ذخائر فنية أخرى ضمن الصندوق الفضي الكبير.
وهكذا، اكتسب عرض الذخائر في عام ٢٠٢٦ بعدًا يتجاوز الاحتفال الديني.
لقد أصبح مناسبة تجمع بين الإيمان والفن والتاريخ والتراث.
قبل الموكب… عودة إلى ألوان التاريخ
في تموز/يوليو، أنهى متخصصون في الترميم من متاحف الفاتيكان وهيئات التراث الثقافي أعمال المحافظة على التمثال النصفي الذخائري للقديسة أغاثا وحجابها.
وشملت الأعمال استعادة عناصر من مظهرهما وألوانهما الأصلية.
وفي ٢٠ تموز، عُرضت نتائج الترميم في كاتدرائية كاتانيا، قبل أسابيع قليلة من الاحتفالات الاستثنائية.
وهكذا، لم يعد يوبيل ٩٠٠ عام مجرد مناسبة لإحياء ذكرى عودة الذخائر.
بل تحول إلى حدث تراثي كبير يعيد اكتشاف أحد أبرز رموز صقلية الدينية والفنية.
من هي القديسة أغاثا؟ ولماذا ما زالت حاضرة بعد ١٧٠٠ عام؟
تعود قصة القديسة أغاثا إلى القرون الأولى للمسيحية.
وبحسب التقليد الكاثوليكي، كانت شابة مسيحية من كاتانيا استشهدت خلال اضطهاد المسيحيين في القرن الثالث، بعدما رفضت التخلي عن إيمانها.
ويصفها الفاتيكان بأنها واحدة من أشهر شهيدات المسيحية في العصور الأولى وأكثرهن انتشارًا في التكريم.
لكن بالنسبة إلى كاتانيا، أغاثا ليست مجرد شخصية تاريخية.
إنها “سانتوتسا ” (Santuzza)، أي “القديسة الصغيرة“، كما يسميها أبناء المدينة بمحبة.
وهي شفيعة كاتانيا، واسمها حاضر في طقوس المدينة وذاكرتها وثقافتها وحياتها العامة.
وفي رسالته بمناسبة الذكرى الـ٩٠٠، شدد البابا لاوُن الرابع عشر على هذا البعد، مقدمًا القديسة أغاثا باعتبارها حضورًا روحيًا حيًا يحفظ الذاكرة المسيحية للمدينة ويدعو أهلها إلى الرجاء والمحبة والثبات.
فالرسالة التي تحملها سيرتها تتجاوز زمنها:
النعمة في مواجهة العنف، والإيمان في مواجهة الخوف، والمحبة في مواجهة الموت.
بارولين في كاتانيا: شهادة أغاثا ما زالت تتحدث
أضفى حضور الكاردينال بيترو بارولين بُعدًا فاتيكانيا واضحًا على المناسبة.
وخلال صلاة السهر في أشي كاستيلو في ١٦ آب، ركز أمين سر دولة الفاتيكان على قوة القديسة أغاثا، معتبرًا أن ثباتها انطلق من إيمانها بالمسيح ورفضها الاستسلام للعنف والتهديد وقوة العالم.
وكانت الرسالة موجهة بوضوح إلى الحاضر.
فأغاثا ليست مجرد شخصية محفوظة في كتب التاريخ.
شهادتها، بحسب بارولين، ما زالت تتحدث إلى الكنيسة اليوم.
إنها شهادة إنسان تمسك بإيمانه وسط المحن ولم يسمح للخوف بأن يهزم الرجاء.
وفي حزيران، كان الفاتيكان قد عيّن بارولين ممثلًا بابويًا خاصًا للاحتفال، في خطوة أكدت الأهمية الروحية والتاريخية التي يوليها الكرسي الرسولي للذكرى التاسعة المئوية لعودة الذخائر.
من ذخائر مقدسة إلى تراث عالمي؟
القصة لم تتوقف عند انتهاء الموكب.
فالاحتفالات أعادت أيضًا فتح نقاش أوسع حول التراث الثقافي لمدينة كاتانيا.
وبعد أيام قليلة من انتهاء اليوبيل، أُعلن عن تقديم مشروع ملف ترشيح احتفالات القديسة أغاثا لإدراجها ضمن قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي.
ولا يتعلق الترشيح بذخيرة أو مبنى فقط.
إنه يتعلق بتقليد حي يمتد عبر الأجيال: المجتمع، والطقوس، والتقوى الشعبية، والحرف، والذاكرة، والمشاركة الجماعية التي صنعت حول عيد القديسة أغاثا ثقافة فريدة على مدى قرون.
وبحسب التقارير المحلية، من المنتظر أن يُحسم القرار الإيطالي النهائي بشأن اختيار الترشيح بحلول ٣٠ آذار/مارس ٢٠٢٧، بعد استكمال المشاورات وإعداد الملف.
وقد تكون هذه الخطوة الفصل التالي في القصة.
فإذا كان يوبيل ٢٠٢٦ قد أعاد الذخائر إلى قلب المشهد، فإن مشروع اليونسكو يهدف إلى ضمان بقاء الثقافة المحيطة بها للأجيال القادمة.
أكثر من ذخائر… ذاكرة مدينة بأكملها
تكشف أحداث كاتانيا شيئًا أعمق عن مكانة الذخائر في الثقافة الكاثوليكية.
بالنسبة إلى المؤمنين، هي صلة ملموسة بشخصية ارتبطت حياتها واستشهادها بإيمان أجيال متعاقبة.
وبالنسبة إلى المؤرخين وخبراء الترميم، هي كنوز دينية وفنية تحمل طبقات من التاريخ.
أما بالنسبة إلى كاتانيا، فهي أكثر من ذلك بكثير.
إنها جزء من ذاكرة المدينة نفسها.
وفي عام ٢٠٢٦، اجتمعت على منصة واحدة عناصر نادرًا ما تجتمع بهذا الوضوح:
الإيمان.
التاريخ.
الفن.
الهوية.
السياحة.
التراث.
والذاكرة.
انتهت الرحلة… لكن القصة لم تنتهِ
اختتمت الاحتفالات التي امتدت ثلاثة أيام في ١٨ آب بقداس شكر وبرنامج ثقافي ختامي.
لكن قصة القديسة أغاثا في كاتانيا لم تصل إلى نهايتها.
عادت الذخائر إلى مكانها.
استعاد التمثال الذخائري بريقه بعد أعمال الترميم.
وأعادت المدينة تمثيل رحلة بدأت قبل ٩٠٠ عام.
لكن التحدي الحقيقي يبدأ الآن:
كيف تحافظ كاتانيا على هذا الإرث دون أن يتحول إلى مجرد ذكرى؟
لقد أثبتت مشاهد آب ٢٠٢٦ أن القديسة أغاثا ليست مجرد شخصية محفوظة خلف أبواب الكاتدرائية.
ما زالت قادرة على جمع الحشود، وتحريك مدينة بأكملها، وربط الإيمان بالهوية المدنية، وتحويل رحلة من العصور الوسطى إلى حدث ثقافي وروحي معاصر.
قبل تسعة قرون، حمل جنديان ذخائرها من القسطنطينية وأعاداها إلى صقلية.
وفي عام ٢٠٢٦، حملت كاتانيا الذخائر مرة أخرى في شوارعها.
لكن هذه المرة، لم تكن الرحلة لإعادة أغاثا إلى بيتها.









