في صمتٍ ثقيل خلف أبواب مصرف لبنان، تدور واحدة من أخطر العمليات النقدية في تاريخ البلاد… أوراق جديدة تُحضَّر، أرقامها بالملايين، وتصاميمها لا تزال طيّ الكتمان، بينما اللبنانيون يراقبون العدّ العكسي لدخول فئات نقدية غير مسبوقة إلى الأسواق.
فبعد سنوات من الانهيار المالي الذي حوّل الليرة اللبنانية إلى شبحٍ لعملتها السابقة، لم تعد ورقة الـ۱۰۰ألف ليرة، التي كانت يوماً رمز “الفئة الكبيرة”، قادرة حتى على تغطية حاجات يومية بسيطة. ومع كل عملية شراء، بات اللبناني يحتاج إلى رزم كاملة من الأوراق النقدية، في مشهد يُعيد إلى الأذهان صور الانهيارات الاقتصادية الكبرى حول العالم.
لكن ما يجري اليوم أخطر من مجرد تبديل أوراق…
مصرف لبنان يستعد لإطلاق فئات نقدية ضخمة تشمل:
- ٥۰۰ ألف ليرة
- مليون ليرة
- مليوني ليرة
- وحتى ٥ ملايين ليرة لبنانية
خطوةٌ أقرّها مجلس النواب في نيسان ٢۰٢٥، بعد أن أصبحت فئة الـ۱۰۰ألف تستحوذ وحدها على نحو ٩٥٪ من الكتلة النقدية المتداولة، وسط اختفاء تدريجي للفئات الصغيرة من الحياة اليومية.
خلف الكواليس… ماذا يحدث؟
وفق معلومات متقاطعة من مصادر مالية وتقارير لبنانية، فإن التحضيرات بدأت منذ أشهر بعيداً عن الأضواء. فرق تقنية تعمل على مدار الساعة، واتصالات مع شركات عالمية متخصصة بطباعة العملات، بعضها في الولايات المتحدة والسويد، فيما دخل المشروع مراحل حساسة تتعلق بالتصاميم النهائية وأنظمة الحماية الأمنية.
لكن الحرب الأخيرة والتوترات التي ضربت البلاد أخّرت جزءاً من العملية، خصوصاً ما يتعلق بالتنسيق الخارجي والشحن والطباعة، من دون أن توقف المشروع.
المصادر تؤكد أن الأوراق الجديدة لن تكون مجرد نسخ أكبر من الفئات الحالية، بل ستضم تقنيات حماية متطورة جداً لمنع التزوير، إضافة إلى خصائص خاصة تسمح للمكفوفين بالتعرف إلى الفئات عبر اللمس، وسط حديث عن تصاميم جديدة قد تحمل معالم لبنانية مختلفة تماماً عن الشكل التقليدي المعروف.
أزمة جديدة تنتظر المصارف
المهمة لا تتوقف عند طباعة الأموال فقط…
فمع دخول الفئات الجديدة، ستجد المصارف اللبنانية نفسها أمام سباق تقني عاجل لتحديث الصرافات الآلية وأجهزة عدّ الأموال، كي تتمكن من قراءة الأوراق الجديدة والتعامل معها، في عملية قد تستغرق أشهراً وتكلّف مبالغ ضخمة.
وفي الداخل اللبناني، ترتفع التساؤلات:
هل هذه الخطوة مجرد إجراء تنظيمي لتسهيل التداول النقدي؟
أم أنها الإعلان غير المباشر عن دخول الليرة مرحلة الانهيار الكامل؟
متى تبدأ “الملايين” بالدخول إلى السوق؟
حتى الآن، لم يكشف مصرف لبنان عن موعد رسمي نهائي، لكن التقديرات تشير إلى أن الأوراق الجديدة قد تبدأ بالظهور تدريجياً بين نيسان وأيار من العام المقبل، إذا سارت عمليات الطباعة والشحن والتجهيزات التقنية وفق الخطة المحددة.
ورغم تأكيد الجهات النقدية أن الفئات الجديدة لن تزيد الكتلة النقدية ولن تؤدي إلى تضخم إضافي، يرى خبراء اقتصاديون أن مجرد الوصول إلى طباعة أوراق من فئة الملايين يشكل بحد ذاته جرس إنذار مرعباً، ويعكس حجم الانهيار الذي ابتلع أكثر من ٩٨٪ من قيمة الليرة منذ بداية الأزمة.
هكذا، يبدو أن لبنان يقف اليوم أمام مشهد غير مسبوق:
بلدٌ يحمل شعبه “الملايين” في جيوبه… بينما قيمتها الحقيقية تتبخر يوماً بعد يوم.
المصدر: النهار









