أكبر هجوم روسي منذ أسابيع يضرب كاتدرائية تاريخية ويعمّق حرباً لا تلوح لها نهاية
معلم ديني عمره ألف عام يحترق تحت وابل الصواريخ بعد ساعات من اتصال ترامب وبوتين
كييف – مزّقت الانفجارات الأولى ظلام ما قبل الفجر.
ثم دوّت صفارات الإنذار.
ثم جاءت النيران.
في ليلة بدت وكأنها خارجة من أكثر فصول الحرب قسوة، استيقظ سكان العاصمة الأوكرانية كييف على واحدة من أعنف الهجمات التي شهدتها المدينة خلال الأشهر الأخيرة. مئات الطائرات المسيّرة وعشرات الصواريخ شقّت السماء الأوكرانية، تاركة وراءها مشاهد من الدمار والحرائق والخوف، بينما دخلت الحرب فصلاً جديداً أكثر خطورة وغموضاً.
ومن بين الأهداف التي طالتها الضربات الروسية، برز اسم يحمل وزناً روحياً وتاريخياً هائلاً: كاتدرائية رقاد السيدة العذراء، إحدى أبرز رموز التراث الديني والثقافي الأوكراني، والواقعة داخل مجمع دير كييف-بيتشيرسك لافرا التاريخي المطل على نهر دنيبرو.
ومع بزوغ أول خيوط الصباح، كان رجال الإطفاء يصارعون النيران المشتعلة تحت القبب الذهبية التي اسودّت بفعل الدخان.
وسرعان ما انتشرت الصور حول العالم.
بالنسبة لكثير من الأوكرانيين، لم يكن الأمر مجرد هجوم عسكري جديد، بل اعتداءً مباشراً على التاريخ والهوية والذاكرة الجماعية.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن ما حدث يمثل “واحدة من أخطر الجرائم المرتكبة بحق الثقافة المسيحية”، وذلك بعد ظهور صور تُظهر الأضرار التي لحقت بالموقع المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، والذي تعود جذوره إلى القرن الحادي عشر.
ليلة من النار والفولاذ
بحسب القوات الجوية الأوكرانية، أطلقت روسيا خلال الهجوم ٧٣ صاروخاً وأكثر من ٦٠٠ طائرة مسيّرة بعيدة المدى، في واحدة من أكبر العمليات الجوية المنسقة ضد كييف هذا الصيف.
الضربات طالت أحياء متعددة من العاصمة.
مبانٍ سكنية تضررت.
بنى تحتية حيوية تعرضت للقصف.
مركز فرز بريدي رئيسي أصيب بشكل مباشر.
كما اندلعت النيران في مجمع ميستيتسكي أرسنال الثقافي، المعروف عالمياً باستضافته أكبر معرض للكتاب في أوكرانيا.
وفيما كانت الانفجارات تتردد أصداؤها عبر المدينة، تنقلت فرق الإنقاذ بين مواقع القصف في سباق مع الزمن.
وأعلنت السلطات مقتل خمسة أشخاص على الأقل وإصابة أكثر من ثلاثين آخرين، فيما تم تسجيل أضرار في أكثر من خمسين موقعاً مختلفاً داخل العاصمة.
كما انقطع التيار الكهربائي عن نحو ۱٤٠ ألف منزل، بينما كافحت فرق الطوارئ لإعادة الخدمات الأساسية.
أما السكان الذين أمضوا ساعات طويلة في الملاجئ وتحت الأرض، فقد وصفوا الهجوم بأنه كان بلا هوادة.
موجة تلو أخرى من المسيّرات أعقبتها صواريخ مصممة لاستنزاف الدفاعات الجوية الأوكرانية وإغراقها بالأهداف.
الكاتدرائية التي تحدّت القرون
على مدى ما يقرب من ألف عام، صمدت كاتدرائية رقاد السيدة العذراء في وجه الغزوات والحروب والاحتلالات والتقلبات السياسية.
شهدت اجتياحات المغول.
ورأت إمبراطوريات تنهض وتسقط.
ودُمّرت خلال الحرب العالمية الثانية قبل أن تُعاد بناؤها بعناية لتصبح رمزاً للصمود الأوكراني.
واليوم، وبعد قرابة ألف عام على وضع أساساتها الأولى، تجد نفسها مجدداً ضحية للحرب.
شهود عيان تحدثوا عن رجال إطفاء تسلقوا بين الدخان والأنقاض لإخماد ألسنة اللهب التي كانت تلتهم أجزاءً من سقف المبنى التاريخي.
وكان منظر القبب المشتعلة تحت سماء الصباح يحمل دلالات رمزية عميقة تجاوزت حدود أوكرانيا بكثير.
وسرعان ما تتابعت الإدانات الدولية.
فقد ندد قادة أوروبيون بالهجوم، فيما اعتبر مسؤولون كبار في الاتحاد الأوروبي أن استهداف المواقع الثقافية والمدنية قد يرقى إلى جرائم حرب ويشكل تصعيداً بالغ الخطورة.
ما وراء كييف… الحرب تتسع
لم تقتصر المأساة على العاصمة.
ففي مدينة خاركيف، ثاني أكبر مدن أوكرانيا، وقعت فاجعة أخرى.
إذ قُتل خمسة من عناصر الإنقاذ في ما وصفه المسؤولون بـ”الضربة المزدوجة”، وهي تكتيك يتمثل في تنفيذ هجوم ثانٍ بعد وصول فرق الإسعاف والطوارئ إلى موقع الانفجار الأول.
ويُعد هذا الأسلوب من أكثر الممارسات إثارة للجدل خلال النزاعات المسلحة، لأنه يستهدف عملياً أولئك الذين يهرعون لإنقاذ الأرواح.
وفي مختلف أنحاء البلاد، بقيت أجهزة الطوارئ في حالة استنفار قصوى مع استمرار ورود تقارير عن ضربات جديدة.
بين الدبلوماسية والدمار
زادت توقيتات الهجوم من تعقيد المشهد السياسي.
فالضربات جاءت بعد ساعات فقط من مكالمة هاتفية مطولة جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ناقش خلالها الطرفان مستقبل الحرب وإمكانية الدفع نحو مبادرات دبلوماسية جديدة.
ووفقاً لمسؤولين في الكرملين، تناولت المحادثة أيضاً زيارات مرتقبة لمبعوثين أمريكيين كبار إلى روسيا.
وفي المقابل، كشف زيلينسكي أنه أجرى هو الآخر محادثة وصفها بـ”الإيجابية جداً” مع ترامب.
لكن بينما تبدو قنوات الاتصال السياسية مفتوحة، يروي الميدان قصة مختلفة تماماً.
فالصواريخ التي أضاءت سماء كييف خلال الليل جاءت لتؤكد أن المفاوضات والحرب تسيران جنباً إلى جنب، وغالباً في اتجاهين متعاكسين.
فجوة الدفاعات الجوية تتسع
يحذر محللون عسكريون من أن موسكو تسعى إلى استغلال نقطة ضعف مزمنة لدى أوكرانيا: النقص المستمر في صواريخ الاعتراض وأنظمة الدفاع الجوي.
وقد كررت كييف مطالبها لحلفائها الغربيين بتوفير مزيد من القدرات الدفاعية، مؤكدة أن ارتفاع الإنتاج العسكري الروسي يسمح لموسكو بمواصلة شن هجمات واسعة النطاق بوتيرة متزايدة.
وتشير تقديرات عسكرية حديثة إلى أن روسيا ما زالت تنتج أعداداً كبيرة من الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز شهرياً، ما يمكّنها من تعويض مخزوناتها رغم سنوات الحرب والعقوبات.
وقالت رئيسة الوزراء الأوكرانية يوليا سفيريدينكو عقب الهجوم: “لا تزال أوكرانيا بحاجة ماسة إلى مزيد من قدرات اعتراض الصواريخ.”
ويخشى الخبراء أن تصبح الهجمات المقبلة أكبر وأكثر تدميراً ما لم يتم سد هذه الفجوة.
أوكرانيا ترد
لكن كييف ليست في موقع الدفاع فقط.
فبالتوازي مع تصعيد روسيا لحملتها الصاروخية، وسّعت أوكرانيا قدراتها على تنفيذ ضربات بعيدة المدى داخل الأراضي الروسية.
وخلال الأسابيع الأخيرة، أصابت صواريخ كروز أوكرانية محلية الصنع منشآت عسكرية وصناعية تبعد مئات الكيلومترات عن الحدود.
كما استهدفت الطائرات المسيّرة الأوكرانية منشآت نفطية ومراكز لوجستية وخطوط إمداد مرتبطة بالعمليات الروسية في شبه جزيرة القرم.
والنتيجة هي حرب تتطور بسرعة، يمتلك فيها الطرفان قدرة متزايدة على ضرب أهداف بعيدة عن خطوط الجبهة.
حرب لم تعد تُقاس بالخنادق والمدفعية فقط، بل بمدى الوصول، والقدرة الصناعية، وقوة التحمل.
تحذير عمره ألف عام
بينما كان الدخان يتصاعد فوق كييف ويقيّم الخبراء حجم الأضرار التي لحقت بأحد أقدس معالم المسيحية الشرقية، بدا أن الرسالة التي حملها الهجوم تتجاوز حدود أوكرانيا وأوروبا.
فالكاتدرائية المحترقة لم تعد مجرد ضحية جديدة للحرب.
لقد أصبحت تحذيراً.
تذكيراً مؤلماً بأن صواريخ الحروب الحديثة لا تميز بين هدف عسكري، أو كنز ثقافي، أو قرون طويلة من التاريخ.
وفي الوقت الذي يتحدث فيه السياسيون والدبلوماسيون عن السلام، تواصل سماء أوكرانيا رواية قصة مختلفة.
ومع انحسار صفارات الإنذار وعودة الصمت إلى شوارع كييف مع بزوغ الفجر، بقيت آثار تلك الليلة محفورة في الجدران، وفي ذاكرة السكان، وفي كاتدرائية ظلت تراقب المدينة منذ نحو ألف عام.
أما الدخان، فسيزول يوماً.
لكن ندوب النار ستبقى شاهدة على ليلة أخرى من ليالي الحرب التي لم تنتهِ بعد.









