أوكرانيا ترى ما تراه المسيّرات الروسية! جهاز صغير يكشف بثّ كاميراتها قبل الهجوم.
كاميرات المسيّرات الروسية تحت الاختراق؟ ابتكار أوكراني جديد يربك حسابات موسكو.
جهاز D·Vision SDR يعترض بثّ الفيديو المباشر من عدد من الطائرات المسيّرة الروسية، ويمنح القوات الأوكرانية فرصة لرؤية ما تراه كاميرات العدو قبل وصوله إلى أهدافه… لكن الذكاء الاصطناعي يفتح جبهة أخطر في سباق التكنولوجيا العسكرية.
أوكرانيا، كييف ، ماذا لو استطاعت القوات المدافعة أن ترى ما تراه الطائرة المسيّرة المهاجمة، قبل أن تصل إلى هدفها؟ هذا تحديداً ما تسعى شركة تكنولوجيا دفاعية أوكرانية إلى تحقيقه عبر جهاز صغير لا يتجاوز حجمه كفّ اليد، لكنه قد يضيف قدرة جديدة إلى منظومات مراقبة التهديدات الجوية.
ابتكرت شركة CODE380، ومقرها كييف، جهاز استقبال يحمل اسم D·Vision SDR، يستطيع التقاط بثّ الفيديو المباشر من كاميرات عدد من الطائرات المسيّرة الروسية، وعرض الصور على شاشة، ما يتيح للقوات الأوكرانية الاطلاع على المشاهد التي تنقلها المسيّرة ومراقبة اتجاه حركتها وما تركز عليه كاميرتها.
وبوزن يقارب ٢٨٠ إلى ٢٩٠ غراماً فقط، يدخل الجهاز سباقاً تقنياً متسارعاً لتحويل إشارات الاتصالات التي تصدرها بعض المسيّرات المعادية إلى مصدر معلومات استخباراتية، في تطور يعكس كيف أصبحت التكنولوجيا الصغيرة جزءاً أساسياً من معارك السماء في أوكرانيا.
كاميرات المسيّرات الروسية تحت المراقبة
تعتمد الفكرة على ثغرة تقنية في بعض أنظمة الاتصال المستخدمة حالياً؛ إذ تنقل طائرات مسيّرة بثّ الفيديو عبر موجات الراديو من دون تشفير.
وهذا يعني أن استقبال الإشارة المناسبة قد يسمح بمشاهدة الصور التي تلتقطها الكاميرا المحمولة على الطائرة، بدلاً من الاكتفاء برصد وجودها في الأجواء.
ويستخدم D·Vision SDR تقنية الراديو المعرّف برمجياً (Software-Defined Radio)، التي تتيح معالجة الإشارات اللاسلكية بواسطة البرمجيات، بدلاً من الاعتماد حصراً على مكونات استقبال ثابتة.
ووفقاً لتقرير «Defense News» الصادر في ٢ تشرين الثاني، يستطيع الجهاز مسح نطاق ترددي واسع يمتد من ٥٠٠ ميغاهرتز إلى ٨٫٧ غيغاهرتز، فيما يمكن تحديث برمجياته للتكيف مع مواصفات إشارات جديدة.
وتكمن أهميته العسكرية في إمكانية توفير صورة أكثر مباشرة عن طبيعة التهديد، بما يساعد الوحدات الأوكرانية على فهم ما تراقبه المسيّرة وما إذا كانت تتجه نحو منطقة حساسة.
مسيّرات Molniya الروسية تفرض تحدياً جديداً
لكن تطوير الجهاز لم يأتِ من فراغ.
ففي حزيران الماضي، حذّر سيرهي «فلاش» بيسكريستنوف، المتخصص في الاتصالات اللاسلكية والمستشار للرئيس الأوكراني، من أن بعض المسيّرات الروسية من طراز Molniya بدأت استخدام نطاقات جديدة لنقل الفيديو، لا تستطيع أجهزة كشف كثيرة رصدها بكفاءة.
وكان التحذير واضحاً: الاعتماد على أجهزة لا تواكب التطور المستمر في ترددات المسيّرات قد يخلق فجوات خطيرة في منظومات الإنذار.
وتشير التقارير التقنية إلى أن D·Vision SDR يغطي نطاقات تشمل الترددات التي بدأت بعض مسيّرات Molniya استخدامها، ما يمنحه ميزة إضافية مقارنة بأجهزة استقبال تقليدية.
كما أن وزنه الخفيف يشكل عاملاً مهماً للقوات التي تحتاج إلى حمل معدات الرصد والمراقبة ضمن تجهيزاتها الميدانية.
لكن الجهاز ليس الأول من نوعه؛ إذ توجد أجهزة أوكرانية منافسة، من بينها Vydun 7.5 وSENSE-4 وChuyka 3.0 . وتكمن إحدى أبرز نقاط تفوق D·Vision في خفة وزنه واتساع نطاق الاستقبال المعلن عنه.
سباق التكنولوجيا: من اعتراض الإشارات إلى الذكاء الاصطناعي
وراء هذا الابتكار معركة تقنية أكبر وأكثر تعقيداً.
ففي تقرير نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» في ٢٤ آب ٢٠٢٦، كُشف عن العثور على وحدات حوسبة صغيرة من إنتاج شركة Nvidia داخل حطام مسيّرات روسية، قالت السلطات الأوكرانية إنها استخدمت أنظمة توجيه تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
وتحدث التحقيق عن وحدات Jetson Orin التي يمكن توظيفها في معالجة الصور والملاحة والتعرف على الأهداف، وعن تطور أنظمة تسمح لبعض المسيّرات بالعمل بدرجة أكبر من الاستقلالية عن المشغل البشري.
وهنا تظهر المشكلة الأكبر بالنسبة إلى أجهزة اعتراض البث اللاسلكي: إذا أصبحت المسيّرة قادرة على تنفيذ مهمتها اعتماداً على معالجة الصور والبيانات المخزنة داخلها، من دون الحاجة إلى إرسال بثّ فيديو مستمر، فقد تختفي إحدى أهم الإشارات التي تعتمد عليها أجهزة الرصد التقليدية.
كما أن التحول من الفيديو التناظري إلى الأنظمة الرقمية الأكثر تعقيداً، إلى جانب انتشار المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية، يفرض تحديات إضافية على تقنيات الاعتراض الحالية.
وبالتالي، لا يشكل D·Vision حلاً نهائياً، بل خطوة ضمن سباق مستمر بين تطوير وسائل الكشف وتغيير تقنيات الطائرات المسيّرة لتفاديها.
حرب أوكرانيا تتحول إلى مختبر عالمي للتكنولوجيا العسكرية
لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية مجرد مواجهة بين الصواريخ والمدفعية والطائرات؛ بل أصبحت مختبراً مفتوحاً لتقنيات الذكاء الاصطناعي والاتصالات والحرب الإلكترونية والمراقبة الرقمية.
فكل تطور في أنظمة المسيّرات يدفع الطرف الآخر إلى ابتكار وسيلة جديدة لرصدها أو تعطيلها أو تقليل تأثيرها.
ويكشف ابتكار CODE380 عن اتجاه متزايد نحو تطوير أجهزة أصغر وأخف وزناً وأكثر قابلية للتحديث، بما يسمح بإضافة قدرات مراقبة متقدمة إلى الوحدات الميدانية من دون الاعتماد على منظومات ضخمة ومكلفة حصراً.
لكن المعركة المقبلة قد لا تكون حول من يمتلك الطائرة الأسرع أو الكاميرا الأقوى، بل حول من يستطيع إخفاء إشاراته، وتحليل المعلومات بصورة أسرع، واتخاذ القرار قبل الخصم.










