من الشاشات إلى الملاجئ: قراصنة يزرعون الذعر النووي على جانبي الحرب الروسية الأوكرانية.
ذعر نووي بلا صواريخ: رسائل كاذبة عن هجمات نووية وكيميائية تجتاح الهواتف الذكية من كييف إلى موسكو، وسط تصاعد المخاوف من تحوّل أنظمة الطوارئ إلى سلاح في الحرب النفسية.
كييف – موسكو
لم تحتج الحرب الروسية الأوكرانية هذه المرة إلى صاروخ جديد لإثارة الرعب. فخلال ساعات، تحوّلت الهواتف الذكية لدى المدنيين في أوكرانيا وروسيا إلى منصات إنذار زائفة، بعدما تعرّضت تطبيقات الطوارئ لهجمات سيبرانية بثّت رسائل مرعبة عن ضربات نووية وتسرّبات إشعاعية وهجمات كيميائية واشتباكات مسلّحة وشيكة.
في كييف، تلقّى السكان تحذيرات تزعم أن روسيا أطلقت صاروخ «أوريشنيك» الفرط صوتي القادر على حمل رؤوس نووية. وبعد ساعات، أعلنت موسكو تعرّض تطبيق وزارة الطوارئ الروسية لهجوم إلكتروني واسع، استُخدم لنشر إنذارات نووية كاذبة في مناطق روسية عدة.
حادثتان متزامنتان وضعتا الحرب أمام جبهة جديدة أكثر خطورة: عندما تصبح أنظمة الإنذار المصمّمة لإنقاذ المدنيين أدوات لبثّ الذعر، تتحوّل الحرب إلى داخل المنازل، من دون إطلاق صاروخ واحد.
كييف تستيقظ على إنذارات نووية وكيميائية مزيفة
بدأت الحادثة الأولى قبل الحادية عشرة ليلاً بقليل، الأحد ۱ تشرين الثاني، عندما شرع تطبيق الإنذار الجوي الأوكراني في إرسال سلسلة من التحذيرات الكاذبة إلى المستخدمين.
وتلقّى سكان كييف ومناطق أخرى رسائل تتحدث عن تلوّث إشعاعي وهجوم كيميائي وشيك، إضافة إلى تحذيرات من اندلاع اشتباكات في شوارع العاصمة.
لكن الرسالة الأكثر استفزازاً زعمت أن روسيا أطلقت صاروخ «أوريشنيك» الفرط صوتي، وأعلنت حالة طوارئ نووية في مختلف أنحاء أوكرانيا.
وبدت بعض الرسائل، المكتوبة باللغة الروسية، وكأنها تحذيرات رسمية، إلا أن أخطاء لغوية وصياغات غير مألوفة أثارت الشكوك بشأن مصداقيتها.
وسرعان ما تدخل سلاح الجو الأوكراني، محذّراً من أن التطبيق تعرّض على ما يبدو لتدخل معادٍ.
وأكدت السلطات أنه لا يوجد أي تهديد إشعاعي، داعية المواطنين إلى التزام الهدوء ومتابعة البيانات العسكرية الرسمية.
من جهتها، علّقت وزارة التحول الرقمي الأوكرانية عمل التطبيق مؤقتاً لمعالجة الاختراق، فيما استمرت وسائل الإنذار الأخرى، وفي مقدمتها صفارات الغارات الجوية، بالعمل بصورة طبيعية. وأعلنت السلطات لاحقاً استعادة التطبيق.
موسكو تؤكد اختراق تطبيق وزارة الطوارئ
لم تتأخر الصدمة الروسية.
فبعد ساعات من الحادثة الأوكرانية، أكدت وزارة حالات الطوارئ الروسية تعرّض تطبيقها الإلكتروني لهجوم سيبراني استُخدم لنشر رسائل مضللة للمواطنين.
وبحسب بيان الوزارة الصادر في ٢ تشرين الثاني، تمكّن المهاجمون من اختراق لوحة الإدارة الخاصة بالتطبيق وإرسال إشعارات كاذبة إلى ٣٣ منطقة روسية.
وزعمت إحدى الرسائل أن رؤوساً نووية أُطلقت باتجاه الأراضي الروسية، داعية السكان إلى تخزين المؤن الغذائية لمدة ثلاثة أسابيع والاحتماء في الأقبية.
ولم تقتصر الرسائل على بث الخوف، بل تضمنت عبارات مسيئة وأوصافاً مهينة للمناطق الروسية، في مؤشر إلى أن الهدف لم يكن تقليد الإنذارات الرسمية فحسب، بل استفزاز الجمهور وإثارة الفوضى.
وأعلنت الوزارة أن فرقها التقنية عزلت الخدمات المتضررة وبدأت العمل على معالجة الخلل وإعادة التطبيق إلى وضعه الطبيعي.
كما شددت على أن منظومة الإنذار الوطنية الأوسع لم تتوقف، وأن الرسائل النصية القصيرة والبث التلفزيوني والإذاعي وصفارات الإنذار ومكبرات الصوت البلدية بقيت تعمل.
من يقف وراء الاختراقات؟
هذا هو السؤال الأخطر الذي لم يجد إجابة حاسمة حتى الآن.
وصفت القوات الجوية الأوكرانية ما حدث بأنه تدخل معادٍ، فيما حمّلت جهات أوكرانية مسؤولية الهجوم لروسيا، لكن الأدلة التقنية المستقلة التي تثبت هوية المنفذين لم تُعلن بصورة قاطعة.
وفي الجانب الروسي، أكدت وزارة الطوارئ وقوع الاختراق، من دون أن تكشف رسمياً هوية الجهة المسؤولة.
كما تداولت قناة «ماش» الروسية على تطبيق تلغرام معلومات تربط الهجوم الأوكراني بمجموعة القرصنة «Hitcore»، مدّعية أن المجموعة أعلنت مسؤوليتها، إلا أن هذا الادعاء لم يخضع لتحقق مستقل.
في المقابل، نشرت مجموعة “أتش” (Atesh)، المعروفة بمواقفها المؤيدة لأوكرانيا، مواد تتعلق باختراق التطبيق الروسي.
لكن الادعاءات المنشورة على تلغرام لا تشكّل دليلاً قاطعاً على المسؤولية، ولم يتأكد بعد ما إذا كانت العمليتان منسقتين، أم أن جهتين منفصلتين نفذتا هجومين متزامنين.
وبالتالي، تبقى فرضية العمليات السيبرانية المتبادلة مفتوحة، بانتظار نتائج التحقيقات التقنية.
الحرب النفسية الرقمية: عندما يصبح الخوف سلاحاً
تتجاوز خطورة الهجمات مجرد تعطيل تطبيق إلكتروني.
ففي زمن الحرب، يعتمد المدنيون على تطبيقات الإنذار للتمييز بين الخطر الحقيقي والحياة الطبيعية. وقد يعني التحذير الصحيح أحياناً الفارق بين النجاة والموت.
وعندما يتمكن القراصنة من زرع إنذارات نووية وكيميائية مزيفة داخل هذه الأنظمة، فإنهم لا يخترقون البرمجيات فقط، بل يستهدفون الثقة العامة بالمؤسسات المسؤولة عن حماية السكان.
وتبرز خمسة مخاطر رئيسية:
- إثارة الذعر: دفع المدنيين إلى عمليات إخلاء عشوائية وحالة خوف جماعي.
- الإرهاق من الإنذارات: تكرار التحذيرات الكاذبة قد يجعل السكان يتجاهلون الإنذارات الحقيقية.
- ضرب الثقة بالمؤسسات: التشكيك في صدقية البيانات الرسمية وأنظمة الطوارئ.
- تعطيل الاستجابة: استنزاف الموارد الأمنية والتقنية في التحقيق والتصحيح واحتواء الشائعات.
- الحرب النفسية: استغلال الخوف من الأسلحة النووية والكيميائية لتضخيم الشعور بالتهديد حتى خارج مناطق القتال.
وقد تكون النتيجة الأخطر ليست تعطيل تطبيق لبضع ساعات، بل تآكل ثقة المواطنين بكل إنذار يصدر لحمايتهم.
صاروخ «أوريشنيك»… لماذا كان ذكره خطيراً؟
لم يكن اختيار اسم صاروخ «أوريشنيك» تفصيلاً عابراً.
فهذا النظام الصاروخي الباليستي متوسط المدى أصبح أحد أبرز الأسلحة الاستراتيجية التي تثير اهتماماً دولياً، نظراً إلى قدرته المحتملة على حمل رؤوس نووية ودوره في الرسائل العسكرية الروسية.
ومن خلال إدراج اسمه في الإنذار المزيف، استغل المهاجمون مخاوف قائمة أصلاً من احتمال التصعيد النووي.
لكن القوات الجوية الأوكرانية نفت وجود تهديد إشعاعي، ولم تؤكد وقوع أي هجوم نووي أو إطلاق صاروخ باتجاه الأراضي الأوكرانية.
وبذلك، لم يكن التحذير دليلاً على ضربة نووية حقيقية، بل رسالة مضللة استهدفت إثارة الرعب واستغلال المخاوف الشعبية.
انتهاء هدنة إنسانية هشة… وتصاعد القلق
جاءت الهجمات السيبرانية في توقيت شديد الحساسية، بالتزامن مع انتهاء هدنة إنسانية محلية استمرت ستة أيام في منطقة خيرسون، وتمحورت حول مدينة أوليشكي الخاضعة للاحتلال الروسي.
وكانت الهدنة قد أتاحت تنفيذ عمليات إجلاء وتقديم مساعدات إنسانية للمدنيين العالقين في ظروف أمنية خطيرة.
وجاء التفاهم بعد جهود وساطة شاركت فيها السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترامب والبابا لاوون الرابع عشر، في مبادرة دبلوماسية استثنائية وسط استمرار الحرب.
وأفادت وكالة أسوشيتد برس بأن العمليات الإنسانية أتاحت إجلاء مدنيين وإنقاذ حيوانات أليفة، فيما حذّرت السلطات الأوكرانية من احتمال تجدّد القتال بعد انتهاء الهدنة.
وقد زاد تزامن انتهاء التهدئة مع الهجمات الإلكترونية من المخاوف بشأن اتساع المواجهة.
لكن لا توجد أدلة مثبتة تربط بين انتهاء الهدنة والاختراقات السيبرانية.
أوروبا وحلف الناتو أمام إنذار جديد
لا تتوقف تداعيات هذه الهجمات عند حدود روسيا وأوكرانيا.
فالحكومات الأوروبية ودول حلف شمال الأطلسي تواجه تحدياً متصاعداً يتمثل في حماية البنية التحتية المدنية من الهجمات الإلكترونية التي تستهدف الاتصالات والنقل والطاقة وخدمات الطوارئ.
وتكشف الحادثتان أن الأنظمة الرقمية يمكن أن تتحول إلى ساحات قتال، حتى عندما تستمر صفارات الإنذار التقليدية والاتصالات العسكرية في العمل.
وتفرض التطورات ضرورة تعزيز الحماية التقنية لتطبيقات الطوارئ، ومراقبة صلاحيات الوصول إلى أنظمتها، والتأكد من وجود قنوات إنذار مستقلة ومتعددة، بحيث لا يؤدي اختراق تطبيق واحد إلى تعطيل منظومة حماية المدنيين بأكملها.
الجبهة المقبلة… داخل كل هاتف ذكي
الإنذارات النووية التي ظهرت خلال الحادثتين كانت كاذبة. لم يكن هناك تهديد إشعاعي مؤكد في كييف، ولم تعلن موسكو وقوع هجوم نووي حقيقي.
لكن ما كشفته الاختراقات حقيقي وخطير.
ففي حرب تهدد فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة حياة المدنيين، أصبحت سلامة الاتصالات والإنذارات العامة جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي.
أمضت أوكرانيا وروسيا سنوات في تطوير أنظمة لتحذير السكان من الهجمات الوشيكة. واليوم، أصبحت هذه الأنظمة نفسها هدفاً للهجمات.









