آبل Apple تتهم OpenAI ببناء مستقبل الذكاء الاصطناعي على أسرار مسروقة… دعوى قضائية مدوية قد تهز صناعة التكنولوجيا العالمية
كوبرتينو / سان فرانسيسكو —
لم يعد الصراع في وادي السيليكون يدور حول من يمتلك أفضل نموذج للذكاء الاصطناعي.
بل أصبح يدور حول سؤال أكثر خطورة: من يمتلك أسرار المستقبل؟
فالتحالف الذي كان يُنظر إليه قبل عامين باعتباره أحد أعمدة ثورة الذكاء الاصطناعي، انفجر اليوم في واحدة من أكثر المعارك القانونية إثارة في تاريخ قطاع التكنولوجيا.
آبل Apple لم تعد تنظر إلى OpenAI كشريك استراتيجي… بل تتهمها بالسعي إلى بناء جيلها القادم من الأجهزة اعتماداً على أسرارها الصناعية.
وفي دعوى اتحادية واسعة النطاق قُدمت أمام محكمة في ولاية كاليفورنيا، تتهم الشركة صاحبة أعلى قيمة سوقية في العالم مطورة ChatGPT بتنفيذ ما تصفه بـ”حملة منسقة” للاستحواذ على أكثر أسرار آبل Apple حساسية، بدءاً من تصاميم الأجهزة وتقنيات التصنيع، وصولاً إلى شبكات الموردين واستراتيجيات تطوير المنتجات المستقبلية.
وإذا نجحت آبل Apple في إثبات هذه الاتهامات أمام القضاء، فقد تتحول القضية إلى واحدة من أخطر قضايا الأسرار التجارية في تاريخ صناعة الذكاء الاصطناعي.
من شراكة واعدة إلى مواجهة مفتوحة
قبل وقت ليس ببعيد، بدا أن آبل Apple وOpenAI تتجهان إلى بناء واحدة من أقوى الشراكات في عالم التكنولوجيا.
فقد دمجت آبل Apple خدمات ChatGPT داخل نظامها البيئي، ومنحت مستخدمي Siri إمكانية الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي التوليدي، بالتوازي مع تطوير منصتها الخاصة Apple Intelligence .
لكن ذلك التحالف انهار بصورة دراماتيكية.
فبدلاً من التعاون، تصوّر الدعوى القضائية OpenAI كمنافس مباشر يُشتبه في استغلاله خبرات ومسؤولين سابقين في آبل Apple لتسريع مشروعه الطموح لإنتاج أجهزة ذكاء اصطناعي جديدة.
قلب الاتهامات… أسرار خرجت من داخل آبل Apple
تسمّي الدعوى ثلاثة أطراف رئيسية:
- شركة OpenAI.
- شركتها المتخصصة في العتاد io Products.
- واثنين من كبار مسؤولي آبل Apple السابقين:
- تشانغ ليو، مهندس الأنظمة الكهربائية الأول سابقاً.
- تانغ تان، أحد أبرز قادة تصميم أجهزة iPhone وApple Watch، والذي يشغل اليوم منصب رئيس قسم الأجهزة في OpenAI .
وتؤكد آبل Apple أن القضية لا تتعلق بانتقال موظفين بين الشركات، وهو أمر معتاد في القطاع، بل تتعلق، بحسب مزاعمها، بنقل معلومات سرية تشمل:
- تصاميم أجهزة لم يُكشف عنها بعد،
- تقنيات تصنيع خاصة،
- بيانات استراتيجية لسلاسل التوريد،
- معلومات عن الموردين،
- عمليات إنتاج صناعية،
- وخطط تطوير منتجات مستقبلية.
وترى الشركة أن هذه المعلومات استُخدمت للمساعدة في تسريع مشروع OpenAI للدخول إلى سوق الأجهزة الذكية.
حاسوب محمول… لم يتوقف عن كشف الأسرار
من أكثر ما ورد في الدعوى إثارة، اتهام آبل Apple للمهندس السابق تشانغ ليو بالاحتفاظ بالحاسوب المحمول الذي كان بحوزته بعد مغادرته الشركة.
وتزعم آبل Apple أن ثغرة في نظام التحقق من الهوية مكّنته من مواصلة الدخول إلى الشبكات الداخلية للشركة حتى بعد انتهاء عمله.
وتقول إن عشرات الملفات السرية المتعلقة بتطوير الأجهزة جرى تنزيلها خلال تلك الفترة.
كما تتهم الدعوى المتهمين باتباع أساليب هدفت إلى تجنب اكتشاف تلك الأنشطة أثناء استقطاب مهندسين آخرين من آبل Apple .
وإذا أثبتت المحكمة صحة هذه المزاعم، فقد تتحول القضية إلى واحدة من أكبر دعاوى سرقة الأسرار التجارية التي شهدها قطاع التكنولوجيا خلال السنوات الأخيرة.
“أحضروا قطع آبل Apple إلى مقابلات العمل“
وربما تكمن أكثر الاتهامات إثارة في ما يتعلق بعمليات التوظيف.
فبحسب الدعوى، شجّع تانغ تان موظفين من آبل Apple كانوا يتقدمون للعمل في OpenAI على إحضار مكونات فعلية من أجهزة آبل Apple إلى مقابلات العمل، ضمن ما وصفته الشركة بجلسات “عرض وشرح”.
وتنقل الدعوى عن أحد المرشحين قوله إنه لم يكن يعلم أصلاً بإمكانية إخراج تلك القطع من مقار الشركة.
وتعتبر آبل Apple أن هذه الواقعة تشير إلى نمط منظم للحصول على معلومات تقنية حساسة، وليس مجرد تصرفات فردية معزولة.
المعركة الحقيقية… أجهزة الذكاء الاصطناعي القادمة
إذا كان ChatGPT قد غيّر عالم البرمجيات، فإن OpenAI لا تخفي رغبتها في تغيير عالم الأجهزة أيضاً.
فالشركة تحدثت مراراً عن مستقبل يتجاوز الهواتف الذكية والحواسيب التقليدية، نحو أجهزة جديدة كلياً تجعل التفاعل مع الذكاء الاصطناعي أكثر طبيعية وسلاسة.
وتسارعت هذه الطموحات بعد استحواذ OpenAI على شركة io Products، المرتبطة بالمصمم الأسطوري السابق في آبل Apple جوني آيف، في صفقة بمليارات الدولارات تهدف إلى تطوير فئة جديدة من أجهزة الذكاء الاصطناعي.
ورغم أن جوني آيف ليس طرفاً في الدعوى، فإن آبل Apple تزعم أن مشروع OpenAI للأجهزة استفاد، ولو جزئياً، من معلومات سرية تعود إليها.
في المقابلات ، ترفض OpenAI هذا التصور.
الموردون أيضاً في قلب المعركة
ولا تتوقف الاتهامات عند الموظفين السابقين.
فآبل Apple تزعم أن ممثلين عن OpenAI سعوا للحصول على معلومات مباشرة من مورديها.
وتشير الدعوى إلى أن أحد الموردين استخدم تقنية خاصة لمعالجة المعادن كانت مخصصة لآبل Apple، بعدما اعتقد أن OpenAI حصلت على موافقة الشركة لاستخدامها.
وإذا ثبتت صحة هذه المزاعم، فقد تتوسع القضية لتشمل شبكة الموردين التي تُعد إحدى أكثر حلقات منظومة آبل Apple الصناعية سرية في العالم.
أكثر من ٤٠٠ موظف سابق في آبل Apple يعملون اليوم لدى OpenAI
تكشف الدعوى أن أكثر من ٤٠٠ موظف سابق في آبل Apple انتقلوا للعمل في OpenAI .
وتؤكد آبل Apple أنها لا تعترض على انتقال الكفاءات بين الشركات.
لكنها تشدد على أن الخبرة المهنية تختلف تماماً عن نقل الأسرار التجارية المحمية قانونياً.
وهذا الفارق سيكون أحد أهم المحاور القانونية التي ستناقشها المحكمة خلال سير القضية.
ترفض OpenAI الاتهامات
من جانبها، نفت OpenAI الاتهامات.
وقال متحدث باسم الشركة:
“ليس لدينا أي اهتمام بالأسرار التجارية الخاصة بالشركات الأخرى، ونواصل التركيز على تطوير تقنيات مبتكرة تمكّن الناس في كل مكان.”
كما أوضحت الشركة أنها لا توافق على توصيف آبل Apple للأحداث، ومن المتوقع أن تدافع بقوة عن موقفها أمام القضاء.
وفي الوقت نفسه، تجدر الإشارة إلى أن جميع الاتهامات الواردة في الدعوى ما تزال مزاعم قانونية لم تُختبر بعد أمام المحكمة، ولم يصدر بشأنها أي حكم قضائي.
سباق الذكاء الاصطناعي يدخل مرحلة أكثر خطورة
شهد تاريخ التكنولوجيا نزاعات عديدة حول انتقال الموظفين والملفات السرية.
لكن هذه القضية تأتي في لحظة مختلفة تماماً.
فالعالم يعيش اليوم سباقاً غير مسبوق للسيطرة على مستقبل الذكاء الاصطناعي، حيث لم تعد المنافسة مقتصرة على تطوير النماذج اللغوية، بل امتدت إلى الرقائق الإلكترونية، والتصميم الصناعي، وسلاسل الإنتاج، والأجهزة التي قد تصبح المنصة الرئيسية للجيل القادم من الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا العالم، أصبحت الملكية الفكرية أثمن من أي وقت مضى… وأكثر الملفات حساسية داخل كبرى الشركات التقنية.
ماذا تريد آبل Apple من المحكمة؟
تطالب آبل Apple بعدد من الإجراءات القانونية، أبرزها:
- إصدار أمر قضائي يمنع أي استخدام إضافي لما تعتبره أسراراً تجارية تخصها.
- الحفاظ على جميع الأدلة المرتبطة بالقضية.
- إعادة المواد السرية التي تزعم أنها نُقلت بصورة غير مشروعة.
- الحصول على تعويضات مالية.
- وإقرار أي تدابير إضافية تراها المحكمة مناسبة.
ويتوقع خبراء القانون أن تستغرق القضية أشهراً، وربما سنوات، مع مراحل طويلة من تبادل الوثائق، واستجواب الشهود، وشهادات الخبراء، والطعن القانوني.
هل نشهد أكبر محاكمة تكنولوجية في عصر الذكاء الاصطناعي؟
يبقى القرار النهائي بيد القضاء.
وقد تنجح آبل Apple في إثبات مزاعمها… أو قد تنجح OpenAI في قلب موازين القضية وإسقاط جميع المزاعم.
لكن المؤكد أن ثورة الذكاء الاصطناعي دخلت مرحلة جديدة.
فالمنافسة لم تعد تدور فقط حول من يطور النموذج الأكثر ذكاءً، بل حول من يملك التكنولوجيا والمهندسين والأفكار والأسرار التي ستحدد شكل الأجهزة التي سيتعامل معها العالم في العقد المقبل.
وفي إحدى قاعات محاكم كاليفورنيا، تستعد اثنتان من أكبر القوى التقنية على الكوكب لمعركة قد تعيد رسم الحدود الفاصلة بين الابتكار المشروع، والمنافسة الشرسة، وحماية الأسرار الصناعية في عصر الذكاء الاصطناعي.









