في ظل الضغوط الاقتصادية المتراكمة، شكّلت قرارات رفع سعر صفيحة البنزين وزيادة الضريبة على القيمة المضافة عبئاً إضافياً على كلفة المعيشة في لبنان. ورغم ارتباط هذه الإجراءات بتمويل زيادات رواتب القطاع العام، إلا أنها انعكست تدريجياً على أسعار السلع والخدمات نتيجة ارتفاع كلفة النقل والإنتاج والتوزيع، ما أدى إلى اتساع رقعة الغلاء وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
ولا يقتصر تأثير هذا الواقع على الاستهلاك العام، بل يطال الأنماط الغذائية، حيث يُعدّ سوق اللحوم من أكثر القطاعات تأثراً، نظراً لارتباطه بكلفة الاستيراد وتقلبات الأسعار العالمية.
ارتفاع محدود محلياً وتأثيرات عالمية
في هذا السياق، أوضح أمين سرّ نقابة تجار المواشي الحيّة ماجد عيد، في حديث لـ”النهار”، أنّ أسعار المازوت لم تسجّل ارتفاعاً يُذكر، ما يستبعد وجود سبب داخلي مباشر لزيادة أسعار اللحوم، لافتاً إلى أنّ أي كلفة إضافية ناتجة عن النقل تبقى محدودة ولا تكاد تُلحظ.
وأشار إلى أنّ الارتفاع المسجّل منذ عام 2020 يعود أساساً إلى تضاعف أسعار اللحوم في الأسواق الخارجية، إذ ارتفع سعر اللحم الأوروبي بنحو مرتين ونصف نتيجة زيادة الطلب داخل أوروبا. وقد دفع ذلك عدداً من الدول إلى التحول نحو الاستيراد من أميركا الجنوبية، ولا سيما البرازيل، ما أدى بدوره إلى ارتفاع الأسعار هناك بنسبة تقارب 8%، في إطار موجة تضخمية عالمية.
وبيّن عيد أنّ السوق اللبنانية لا تستطيع مواكبة الارتفاعات العالمية بالكامل، موضحاً أنّ أسعار اللحم الأوروبي تتراوح حالياً بين 16 و18 دولاراً، فيما يتراوح سعر اللحم البرازيلي بين 12 و13 دولاراً، مع غموض بشأن اتجاه الأسعار في المرحلة المقبلة.
تراجع الاستيراد ومخاوف من الغش
في موازاة ذلك، يواجه قطاع استيراد المواشي تحديات كبيرة، إذ انخفضت الكميات المستوردة بنحو 70%، وفق عيد، الذي عزَا ذلك إلى حالة عدم الاستقرار في لبنان والمنطقة، وما يرافقها من صعوبات لوجستية ومالية.
كما لفت إلى انتشار ظاهرة خلط اللحم المثلج باللحم الطازج في بعض نقاط البيع، موضحاً أنّ اللحم المثلج، ولا سيما المستورد من الهند، يُباع أحياناً بنصف سعر اللحم الطازج ويدخل بكميات كبيرة من دون آليات تتبع واضحة. وأكد أنّ الجهات المعنية تكثف جهودها لكشف المخالفات، داعياً إلى تفعيل قانون حماية المستهلك وفرض إجراءات صارمة بحق المتجاوزين.
في المحصلة، يعكس واقع سوق اللحوم في لبنان تداخل العوامل العالمية والمحلية في تشكيل الأسعار، ما يفرض اعتماد سياسات تنظيمية واضحة تعزز الشفافية في الاستيراد، وتحمي المستهلك، وتدعم القدرة الشرائية في ظل أزمة اقتصادية مستمرة.











