تحوّل صباح الأربعاء في جنوب لبنان إلى مشهد من الفوضى والرعب، بعدما أعلنت إسرائيل توسيع عملياتها العسكرية بشكل غير مسبوق، واعتبرت كامل المنطقة الواقعة جنوب نهر الزهراني “منطقة قتال”، في خطوة أشعلت موجة نزوح جديدة وأعادت شبح الحرب الشاملة إلى الواجهة.
التحذير الإسرائيلي جاء كالصاعقة.
ففي بيان عاجل نُشر عبر الإنترنت، دعا الجيش الإسرائيلي السكان إلى إخلاء المناطق الواقعة جنوب الزهراني فوراً والتوجّه شمالاً، مؤكداً أنه سيعمل “بقوة هائلة” ضد مواقع وعناصر حزب الله داخل تلك المنطقة.
وخلال ساعات فقط، تحولت الطرقات الجنوبية إلى أنهار من السيارات المحمّلة بالعائلات الهاربة. أطفال مذعورون، نساء يحملن ما استطعن جمعه على عجل، ورجال يراقبون خلفهم أعمدة الدخان وهي ترتفع من القرى التي بدأت تدخل دائرة النار.
وجاء التصعيد بينما كان اللبنانيون يحتفلون بعيد الأضحى، لتتحول أجواء العيد فجأة إلى حالة هلع جماعي بعد انتشار أوامر الإخلاء عبر الهواتف ومكبرات الصوت في المساجد.
ويمتد نهر الزهراني على بعد نحو ٤٠ كيلومتراً شمال الحدود مع إسرائيل، ما يعني أن المنطقة التي أعلنتها إسرائيل “منطقة قتال” تغطي ما يقارب ألفي كيلومتر مربع من الأراضي اللبنانية، في أكبر توسّع ميداني منذ بدء المواجهات الأخيرة.
لكن ليلة الثلاثاء كانت قد حملت الإشارة الأولى إلى أن شيئاً خطيراً يقترب.
فأكثر من ۱٢٠ غارة إسرائيلية هزّت جنوب لبنان والبقاع خلال ساعات قليلة، رغم اتفاق وقف إطلاق النار المعلن في أبريل. السماء اشتعلت بالنيران، والطائرات المسيّرة والمقاتلات لم تغادر الأجواء، فيما قالت إسرائيل إنها تستهدف مواقع أسلحة ومنشآت تابعة لحزب الله.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدا حاسماً عندما أعلن أن بلاده مضطرة إلى اتخاذ “خطوات إضافية” لحماية المستوطنات الشمالية من تهديد حزب الله، في إشارة واضحة إلى أن العمليات العسكرية مرشحة للتوسع أكثر.
وفي السابق، كانت أوامر الإخلاء الإسرائيلية تقتصر على المناطق الواقعة جنوب نهر الليطاني، لكن إعلان الأربعاء شكّل نقطة تحول خطيرة، إذ إنها المرة الأولى التي يُطلب فيها من السكان إخلاء كامل المنطقة جنوب الزهراني دفعة واحدة.
مصادر أمنية لبنانية تحدثت عن تدفق آلاف النازحين نحو مدينة صيدا التي باتت تستقبل أعداداً هائلة من الفارين من القصف، بينما تتزايد المخاوف من احتمال توسّع العمليات البرية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.
الجيش الإسرائيلي أعلن أيضاً أنه وسّع عملياته البرية إلى ما بعد ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، لكنه رفض الكشف عن حجم التقدّم أو عمق التوغّل داخل الجنوب.
ورغم اشتعال الجنوب، بقيت بيروت حتى الآن خارج دائرة الضربات المباشرة… لكن التوتر يخيّم فوق العاصمة.
أصوات الطائرات المسيّرة الإسرائيلية لا تغيب عن سماء المدينة، فيما حلّقت مقاتلات حربية على علو منخفض فوق بيروت، في رسائل تهديد واضحة جعلت السكان يعيشون على وقع ترقب ثقيل.
وبحسب مسؤولين إسرائيليين كبار، فإن تل أبيب تتعمّد حتى الآن تجنّب ضرب العاصمة اللبنانية بشكل واسع، خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى نسف الجهود الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة بشأن إيران والمنطقة.
لكن خلف الكواليس، يبدو أن سباقاً خطيراً بدأ بين الحرب والدبلوماسية.
فمنذ تجدد المواجهات في مارس بعد هجمات شنّها حزب الله دعماً لإيران، نزح أكثر من ۱٫٢ مليون لبناني، بينما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية مقتل أكثر من ٣٢٠٠ شخص نتيجة الغارات الإسرائيلية، حتى بعد سريان وقف إطلاق النار.
في المقابل، تقول إسرائيل إن هجمات حزب الله بالطائرات المسيّرة والكمائن الحدودية ما زالت تحصد قتلى في صفوف جنودها.
ومع اتساع مناطق الإخلاء، وتصاعد الغارات، وتعثر المساعي السياسية، يقف جنوب لبنان اليوم على حافة انفجار كبير… فيما يزداد الخوف من أن تتحول المواجهة إلى حرب إقليمية مفتوحة قد تشتعل في أي لحظة.
المصدر: FRANCE 24 مع Reuters










