دعوى قضائية غير مسبوقة.. ناشرون عالميون يتهمون Google بسرّقة ملايين الكتب لتدريب Gemini دون إذن
نيويورك —
دخل الصراع العالمي حول الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة قد تكون الأكثر حسماً منذ انطلاق الثورة التقنية الحديثة.
وهذه المرة… تقف Google في قلب العاصفة.
فقد رفعت مجموعة تضم عدداً من أكبر دور النشر العالمية، وشركات المحتوى التعليمي، ومؤلفين من الأكثر مبيعاً، دعوى قضائية اتحادية واسعة النطاق تتهم عملاق التكنولوجيا باستخدام ملايين الكتب المحمية بحقوق النشر سراً لتدريب نموذجها للذكاء الاصطناعي Gemini، وذلك من دون إذن أصحاب الحقوق أو تعويضهم أو حتى إخطارهم.
ويرى خبراء القانون أن القضية قد تعيد رسم الحدود القانونية للذكاء الاصطناعي التوليدي، وتعيد تعريف مفهوم حقوق الملكية الفكرية في العصر الرقمي، كما قد تحدد القواعد التي ستلتزم بها جميع شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، من Google وMeta إلى OpenAI وAnthropic وغيرها، في تدريب نماذجها المستقبلية.
وقد رُفعت الدعوى أمام المحكمة الفيدرالية في نيويورك، ويصفها مختصون بأنها واحدة من أهم معارك حقوق النشر منذ النزاع التاريخي الذي خاضته Google بشأن مشروع Google Books قبل نحو عقدين.
اتهام مباشر: Google تجاوزت الخط الأحمر قانونياً
تستند الدعوى إلى اتهام واضح وصريح:
فبحسب المدعين، قامت Google بنسخ ملايين الكتب المحمية بحقوق النشر، والتي كانت قد حصلت عليها ضمن مشروع Google Books لأغراض محدودة تتعلق بالأرشفة والبحث والفهرسة، ثم استخدمتها لاحقاً لتدريب نموذج Gemini بصورة سرية، في استخدام تجاري لم يمنح له أصحاب الحقوق أي موافقة.
ويؤكد المدعون أن الشركة تجاوزت بصورة كاملة نطاق التراخيص التي حصلت عليها.
ومن بين الجهات التي تقود الدعوى:
- Hachette Book Group
- Cengage Learning
- Elsevier
- الروائي الأمريكي الشهير Scott Turow
- شركة النشر التابعة له S.C.R.I.B.E.
ويؤكد هؤلاء أن Gemini أصبح قادراً على إنتاج محتوى ينافس مباشرة الكتب الأصلية التي تعلم منها.
وجاء في نص الدعوى:
“إن الحجم والسرعة اللذين يستطيع بهما Gemini إنتاج الكتب ومنافسة الكتّاب البشر أمر غير مسبوق.”
كما يتهم الناشرون Google بأن نموذجها قادر على تقليد الأساليب الأدبية والبنية السردية والخيارات الإبداعية الخاصة بمؤلفين بعينهم، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة من أن يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة مساعدة للمبدعين إلى منافس مباشر لهم.
…Google Books المشروع الذي عاد ليشعل المعركة
أحد أكثر الاتهامات إثارة في الدعوى يتعلق بمشروع Google Books .
فلسنوات طويلة، سمح الناشرون لـGoogle برقمنة ملايين الكتب بهدف تسهيل البحث عنها وزيادة إمكانية الوصول إليها عبر الإنترنت.
لكن المدعين يقولون إن الشركة حولت تلك المكتبة الرقمية الضخمة، بهدوء، إلى قاعدة بيانات لتغذية أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وبحسب الشكوى القضائية، فإن المواد التي قُدمت لغرض محدد أعيد استخدامها لاحقاً في نشاط تجاري مختلف كلياً، وهو تدريب Gemini .
وفي حال أثبتت المحكمة صحة هذه المزاعم، فقد تتعرض إحدى أهم ركائز دفاع Google لضربة قوية، وهي أن تدريب نماذجها اعتمد فقط على بيانات جُمعت بصورة قانونية.
ولم تصدر Google حتى الآن رداً مفصلاً على الاتهامات الجديدة، لكنها دافعت في قضايا سابقة عن ممارساتها، مؤكدة أن أنظمتها تعتمد على استخدامات قانونية لمواد مرخصة أو متاحة للعامة، بما يحقق الابتكار دون انتهاك القانون.
زلزال قانوني يهز وادي السيليكون
لا تُعد الدعوى ضد Google قضية معزولة، بل تمثل جبهة جديدة في حرب قانونية متسعة تشمل معظم شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى.
وخلال العامين الماضيين، رفع ناشرون وصحفيون وموسيقيون ومخرجون وفنانون ومطورون ومنظمات إعلامية دعاوى متتالية للطعن في الطريقة التي تجمع بها شركات الذكاء الاصطناعي بيانات التدريب.
ومن أبرز هذه القضايا:
- رفع عدد من الناشرين دعاوى ضد Meta بسبب تدريب نموذج Llama على مواد محمية بحقوق النشر.
- تواصل صحيفة The New York Times ملاحقة OpenAI وMicrosoft قضائياً بتهمة الاستخدام غير المصرح به لمحتواها الصحفي.
- أقامت شركات موسيقية دعاوى تتعلق بالأغاني التي ينتجها الذكاء الاصطناعي.
- أطلق فنانون تشكيليون دعاوى جماعية ضد مولدات الصور المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
- طعن مطورو البرمجيات في أدوات كتابة الأكواد التي جرى تدريبها على شيفرات محمية بحقوق النشر.
ويصف عدد متزايد من خبراء القانون هذه المواجهات بأنها “معركة حقوق النشر في عصر الذكاء الاصطناعي.”
أحكام قضائية متباينة… ولا إجابة نهائية حتى الآن
لا يزال المشهد القانوني يكتنفه كثير من الغموض.
فقد منحت عدة أحكام اتحادية حديثة انتصارات جزئية لشركات الذكاء الاصطناعي، لكنها في الوقت نفسه أبقت أسئلة قانونية جوهرية بلا حسم.
وفي إحدى أبرز القضايا، توصلت شركة Anthropic إلى تسوية مهمة مع عدد من المؤلفين عقب نزاع حول تدريب نموذج Claude، حيث اعتبرت المحكمة أن بعض عمليات التدريب قد تندرج ضمن الاستخدام “التحويلي” الذي يمكن أن يندرج تحت مبدأ الاستخدام العادل (Fair Use)، بينما سمحت باستمرار النظر في مزاعم تتعلق باستخدام مواد مقرصنة.
كما حققت Meta حكماً مهماً في ولاية كاليفورنيا، عندما رأى قاضٍ فيدرالي أن بعض استخداماتها للمواد المحمية يمكن أن تندرج ضمن الاستخدام العادل، إلا أن الحكم لم يمنح شركات الذكاء الاصطناعي حصانة عامة أو مطلقة.
ويؤكد مختصون أن كل قضية تعتمد على ظروفها الخاصة، وأن أياً من تلك الأحكام لم يحسم الإطار القانوني النهائي لهذه التكنولوجيا.
ولهذا السبب تحديداً، تحظى الدعوى ضد Google باهتمام استثنائي.
ما هو “الاستخدام العادل”؟ ولماذا يشكل جوهر المعركة؟
من المرجح أن يبني دفاع Google على مبدأ الاستخدام العادل، أحد أكثر المفاهيم إثارة للجدل في قانون الملكية الفكرية الأمريكي.
ويتيح هذا المبدأ استخدام بعض المواد المحمية بحقوق النشر دون الحصول على إذن مسبق، إذا كان الاستخدام الجديد يُعد “تحويلياً” ويضيف غرضاً أو وظيفة مختلفة بصورة كافية.
وقد نجحت Google سابقاً في الاستناد إلى هذا المبدأ خلال النزاعات القضائية المتعلقة بمشروع Google Books .
لكن الذكاء الاصطناعي التوليدي يطرح سؤالاً جديداً كلياً.
فالناشرون يؤكدون أن النماذج الحديثة لا تكتفي بتحليل الكتب.
بل تستوعب محتواها…
ثم تنتج أعمالاً جديدة قد تنافس الأعمال الأصلية في السوق.
وإذا تبنت المحاكم هذا الطرح، فقد تواجه شركات الذكاء الاصطناعي مليارات الدولارات من تكاليف التراخيص وحقوق الاستخدام.
رهانات اقتصادية بمليارات الدولارات
تأتي الدعوى في وقت يشهد فيه سوق الذكاء الاصطناعي التوليدي نمواً غير مسبوق.
فقد استثمرت شركات التكنولوجيا الكبرى مئات المليارات من الدولارات لتطوير نماذج أكثر تطوراً وقدرة.
ويرى الناشرون أن هذه الشركات تحقق قيمة اقتصادية هائلة من محتوى أبدعه مؤلفون وناشرون، من دون أن يحصل أصحاب الحقوق على أي مقابل.
ويطالب المدعون المحكمة بـ:
- اعتماد الدعوى كدعوى جماعية.
- الحكم بتعويضات مالية.
- إصدار أمر قضائي دائم يمنع أي استخدام غير مصرح به للأعمال المحمية.
- فرض تدابير قانونية قد تجبر Google على تغيير آليات تدريب نماذجها مستقبلاً.
وفي حال انتصار الناشرين، فقد يصبح الحصول على تراخيص لاستخدام الكتب في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي معياراً إلزامياً في الصناعة بأكملها، بدلاً من كونه خياراً تجارياً.
المؤلفون: الذكاء الاصطناعي يهدد مستقبل المهنة
بالنسبة للكتّاب، لا تتعلق القضية بالأموال فقط.
فكثير منهم يرى أن الذكاء الاصطناعي أصبح يشكل تهديداً وجودياً لمستقبل التأليف.
وتؤكد مؤسسات النشر أن النماذج القادرة على إنتاج روايات وكتب مدرسية ومراجع علمية خلال ثوانٍ معدودة تعيد رسم اقتصاد صناعة الكتاب بالكامل.
وتزعم الدعوى أن Gemini يستطيع إعادة إنتاج السمات الأسلوبية الخاصة ببعض المؤلفين، بما يسمح بإنتاج نصوص تشبه أعمالهم إلى حد كبير.
وهذا الاحتمال يعزز المخاوف من أن تمتلئ الأسواق مستقبلاً بمحتوى آلي ينافس الإبداع البشري بصورة مباشرة.
المعركة التي قد تحدد مستقبل الذكاء الاصطناعي
قد تتحول هذه القضية إلى واحدة من أكثر المحاكمات تأثيراً في تاريخ الذكاء الاصطناعي.
فالسؤال المطروح أمام القضاء الأمريكي يتجاوز Google وGemini بكثير:
هل يحق لشركات الذكاء الاصطناعي بناء تقنيات تُقدّر قيمتها بتريليونات الدولارات اعتماداً على أعمال إبداعية محمية بحقوق النشر من دون الحصول على إذن أصحابها؟
الإجابة التي ستقدمها المحاكم الأمريكية لن تحدد مستقبل Google وحدها، بل سترسم ملامح صناعة الذكاء الاصطناعي بأكملها خلال السنوات المقبلة.
وبالنسبة لوادي السيليكون، تمثل القضية مواجهة قضائية جديدة قد تعيد صياغة قواعد الابتكار.
أما بالنسبة للمؤلفين والناشرين، فهي معركة دفاع عن الملكية الفكرية، وعن قيمة الإبداع الإنساني، وعن مستقبل الكتابة في عالم تتسارع فيه قدرات الآلات بصورة غير مسبوقة.
ومع استمرار الذكاء الاصطناعي في التطور بوتيرة مذهلة، يبقى السؤال الأكبر مطروحاً:
هل تستطيع التكنولوجيا مواصلة الابتكار من دون إعادة كتابة قوانين حقوق النشر نفسها؟










