بروكسل تكشف شبكة تجسس إلكتروني مرتبطة بالكرملين استهدفت حكومات ومنشآت حيوية وشركات كبرى في واحدة من أخطر الحروب الرقمية في أوروبا
بروكسل —
أسدل الاتحاد الأوروبي الستار عن واحدة من أخطر عمليات التجسس الإلكتروني التي شهدتها القارة الأوروبية، كاشفًا عن ما وصفه مسؤولون بأنه منظومة روسية متكاملة للحرب السيبرانية ظلت تعمل في الخفاء لسنوات، مستهدفة الحكومات والبنى التحتية الحيوية والمؤسسات العسكرية والصناعات الاستراتيجية في عدد من الدول الأوروبية.
وفي خطوة غير مسبوقة، وجّه الاتحاد الأوروبي وعدد من دوله الأعضاء اتهامًا علنيًا إلى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB) بالوقوف وراء حملة إلكترونية واسعة النطاق، نفذتها وحدات اختراق متخصصة بهدف التسلل إلى الشبكات الحكومية، وجمع المعلومات الاستخباراتية، ورصد المنشآت الحيوية تمهيدًا لإمكانية تعطيلها خلال الأزمات.
ويُنظر إلى هذا الإعلان باعتباره أحد أقوى الاتهامات الغربية الرسمية ضد موسكو في مجال الأمن السيبراني، كما يعكس قناعة متزايدة داخل أوروبا بأن الفضاء الإلكتروني أصبح جبهة حرب دائمة لا تقل خطورة عن ميادين القتال التقليدية.
“تورلا”… الذراع الخفية للاستخبارات الروسية
تشير التحقيقات الأوروبية إلى أن جانبًا كبيرًا من العمليات نُسب إلى مجموعة القرصنة الشهيرة Turla، إحدى أكثر وحدات التجسس الإلكتروني تطورًا في العالم، والتي تربطها أجهزة الاستخبارات الغربية منذ سنوات بجهاز الأمن الفيدرالي الروسي.
وتُعرف هذه المجموعة أيضًا بأسماء مثل:
- Snake
- Uroburos
- Venomous Bear
ويؤكد خبراء الأمن السيبراني أن مهمة Turla تختلف عن عصابات برامج الفدية التي تستهدف تحقيق مكاسب مالية، إذ يتركز نشاطها على جمع المعلومات الاستخباراتية طويلة الأمد واختراق الشبكات الحساسة دون إثارة الانتباه.
ووفقًا للمحققين، تعمل هذه المجموعات بصبر شديد، حيث قد تستغرق عملياتها شهورًا أو حتى سنوات، قبل أن تتمكن من تثبيت وجودها داخل الأنظمة المستهدفة، والتنقل بين الشبكات، وسرقة البيانات السرية، مع الحرص على البقاء غير مكتشفة لأطول فترة ممكنة.
وترى السلطات الأوروبية أن هذه العمليات لا تزال مستمرة رغم العقوبات الغربية، والإجراءات القضائية، والجهود الدولية الرامية إلى ملاحقة الجهات المسؤولة عنها.
حكومات ومنشآت استراتيجية في دائرة الاستهداف
بحسب المسؤولين الأوروبيين، لم تكن الهجمات عشوائية، بل استهدفت مؤسسات تُعد من أكثر القطاعات حساسية داخل أوروبا.
وشملت الدول التي رُصدت فيها أنشطة إلكترونية واسعة:
- فرنسا
- ألمانيا
- بولندا
- سلوفاكيا
- فنلندا
أما الأهداف الرئيسية للهجمات، فتضمنت:
- الوزارات والهيئات الحكومية.
- شركات الصناعات الدفاعية.
- وزارات الخارجية.
- موردي المعدات العسكرية.
- مراكز الأبحاث.
- محطات التدفئة وتوليد الطاقة.
- مشغلي البنية التحتية الحيوية.
- شركات التكنولوجيا الاستراتيجية.
ويحذر خبراء الأمن من أن استهداف منشآت الطاقة يثير قلقًا خاصًا، لأنه قد يوفر للمهاجمين معلومات تمهد لتنفيذ عمليات تعطيل واسعة خلال أزمات سياسية أو عسكرية مستقبلية.
ورغم عدم إعلان الاتحاد الأوروبي عن وقوع عمليات تخريب مادي واسعة حتى الآن، فإن المسؤولين يؤكدون أن مجرد التسلل إلى الأنظمة الصناعية يمنح المهاجمين القدرة على استغلال تلك الثغرات في أي وقت.
الحرب الهجينة… سلاح موسكو الجديد
يرى محللون أوروبيون أن هذه العمليات تمثل جزءًا من استراتيجية روسية أوسع تُعرف باسم “الحرب الهجينة“.
فبدلاً من الاعتماد على القوة العسكرية وحدها، تتهم العواصم الغربية موسكو باستخدام مزيج من:
- التجسس الإلكتروني.
- حملات التضليل الإعلامي.
- التأثير السياسي.
- الضغوط الاقتصادية.
- جمع المعلومات الاستخباراتية.
- الهجمات السيبرانية.
ومنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، تؤكد الحكومات الغربية أن الأنشطة الإلكترونية الروسية ضد دول الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو) شهدت تصاعدًا ملحوظًا.
ويرى مسؤولون أمنيون أن كثيرًا من هذه العمليات لا يهدف فقط إلى سرقة المعلومات، بل إلى اختبار نقاط الضعف التي يمكن استغلالها في أي مواجهة جيوسياسية مستقبلية.
أستراليا تدق ناقوس الخطر
تزامن الإعلان الأوروبي مع تحذير جديد أصدره المركز الأسترالي للأمن السيبراني (ACSC) .
وأكدت السلطات الأسترالية أن جهات إجرامية وأخرى مرتبطة بدول تستغل ثغرات أمنية في أنظمة إدارة المحتوى (CMS) المستخدمة على نطاق واسع، بهدف اختراق المواقع الإلكترونية وشبكات المؤسسات.
ودعت الجهات المختصة المؤسسات حول العالم إلى:
- تثبيت جميع التحديثات الأمنية فور صدورها.
- تفعيل المصادقة متعددة العوامل (MFA) .
- مراجعة حسابات المسؤولين.
- مراقبة الشبكات لرصد أي نشاط مشبوه.
- تعزيز خطط الاستجابة للحوادث الإلكترونية.
ويرى خبراء الأمن أن سرعة استغلال الثغرات قبل معالجتها أصبحت تمثل أحد أخطر التحديات أمام المؤسسات الحكومية والخاصة.
الشركات الكبرى والبنوك تحت النار
لم تقتصر موجة الهجمات على الحكومات.
فقد شهد القطاع الخاص أيضًا سلسلة من الحوادث الأمنية البارزة.
اختراق واسع لشركة AssuranceAmerica
أعلنت شركة التأمين الأمريكية AssuranceAmerica تعرضها لاختراق إلكتروني طال بيانات نحو سبعة ملايين شخص.
وأوضحت الشركة أن الحادث شمل معلومات شخصية حساسة، ما استدعى فتح تحقيقات واسعة وإبلاغ الجهات التنظيمية والعملاء المتضررين.
ولا تزال التحقيقات جارية لتحديد الحجم الكامل للاختراق وما إذا كانت البيانات المسروقة قد طُرحت للبيع في الأسواق الإلكترونية غير المشروعة.
مزاعم باختراق Deutsche Bank
في تطور آخر، زعمت مجموعة من القراصنة مسؤوليتها عن اختراق Deutsche Bank، أحد أكبر المصارف الأوروبية.
ويعمل البنك حاليًا على التحقق من صحة تلك الادعاءات، فيما تواصل فرق الأمن السيبراني تقييم ما إذا كانت أي أنظمة داخلية أو بيانات خاصة بالعملاء قد تعرضت للاختراق.
وفي الوقت الراهن، لا تزال طبيعة الاختراق وحجمه الفعلي قيد التحقيق.
ساحة الحرب الرقمية تتوسع
تكشف هذه التطورات أن الفاصل بين الأمن القومي والأمن الاقتصادي أصبح أكثر ضبابية من أي وقت مضى.
فالحكومات أصبحت تواجه في الوقت نفسه:
- عمليات تجسس ترعاها دول.
- عصابات إلكترونية تسعى للابتزاز المالي.
- هجمات برامج الفدية.
- اختراقات سلاسل التوريد.
- هجمات إلكترونية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
- حملات تضليل إعلامي.
- محاولات لاستهداف البنى التحتية الحيوية.
ويؤكد خبراء الأمن أن كثيرًا من هذه العمليات ينفذها تحالف معقد يجمع بين أجهزة استخبارات، ومجموعات قرصنة تعمل بالوكالة، وشبكات إجرامية، ما يجعل تحديد الجهة المسؤولة أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
لماذا أصبحت البنية التحتية الهدف الأول؟
تمثل شبكات الكهرباء، ووسائل النقل، والاتصالات، والمستشفيات، وأنظمة التحكم الصناعية، العمود الفقري للاقتصادات الحديثة.
ولذلك أصبحت أهدافًا رئيسية في الحروب السيبرانية، ليس بهدف السرقة المالية فقط، وإنما لاستخدامها كورقة ضغط استراتيجية خلال الأزمات الدولية.
ولهذا السبب، كثفت الحكومات الأوروبية استثماراتها في:
- بنية الأمن السيبراني القائمة على مبدأ Zero Trust .
- تبادل المعلومات الاستخباراتية.
- حماية أنظمة التحكم الصناعية.
- تقنيات كشف الهجمات باستخدام الذكاء الاصطناعي.
- المناورات الإلكترونية المشتركة بين الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
- تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص.
رسالة أوروبية مباشرة إلى موسكو
لا يمثل الإعلان الأوروبي مجرد كشف تقني عن هجمات إلكترونية، بل يحمل رسالة سياسية واضحة.
فمن خلال تسمية جهاز الأمن الفيدرالي الروسي علنًا وربطه بمنظومة التجسس الإلكتروني، تسعى بروكسل إلى زيادة الضغط الدبلوماسي على موسكو، وتعزيز وحدة الموقف الأوروبي، وإظهار جاهزية القارة لمواجهة التهديدات الرقمية.
ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحًا حول مدى قدرة هذه الإدانات العلنية على ردع العمليات المستقبلية، خاصة أن مجموعات القرصنة المرتبطة بروسيا واصلت نشاطها خلال السنوات الماضية رغم العقوبات والإجراءات القضائية.
الحرب الباردة الرقمية تتسارع
يصف كثير من خبراء الأمن السيبراني المشهد العالمي الحالي بأنه “حرب باردة رقمية“، تتنافس فيها الدول عبر التجسس الإلكتروني، والهجمات على البنية التحتية، والذكاء الاصطناعي، والأقمار الصناعية، والسيطرة على المعلومات.
ومن الوزارات الحكومية في أوروبا إلى كبرى الشركات متعددة الجنسيات، ومن المصارف العملاقة إلى منشآت الطاقة، أصبحت كل شبكة متصلة بالإنترنت جزءًا من ساحة صراع عالمية تتوسع يومًا بعد يوم.
ويحمل الإعلان الأوروبي رسالة تحذير واضحة:
الحروب الحديثة لم تعد تبدأ بصوت المدافع أو سقوط الصواريخ، بل قد تنطلق من سطر برمجي خبيث، أو شبكة مخترقة، أو بيانات تُسرق في صمت، قبل أن يدرك أحد أن المعركة قد بدأت بالفعل.









